شهدت العلاقة بين الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد وميليشيات "فانو" في إقليم أمهرة تحولاً جذرياً، انتقلت فيه من مربّع التحالف العسكري الوثيق إلى صدام مسلح واسع النطاق يعيد رسم خريطة التحالفات والتوترات في البلاد.
جذور التحالف: شراكة حرب تيغراي
برز اسم "فانو" كحركة شعبية وشبابية مسلحة في إقليم أمهرة، واكتسبت زخماً كبيراً خلال النزاعات العرقية المتفرقة. وعندما اندلعت الحرب الطاحنة في إقليم تيجراي أواخر عام 2020، وجدت حكومة آبي أحمد وفصائل "فانو" مصلحة مشتركة في التحالف ضد جبهة تحرير شعب تيجراي. قاتلت قوات "فانو" إلى جانب الجيش الفيدرالي وقدمت إسناداً بشرياً ولوجستياً كبيراً مكّن القوات الحكومية من الصمود في مفاصل حرجة، متجاوزين مؤقتاً التوترات السياسية البينية في سبيل هدف القضاء على الخصم المشترك.
شرارة القطيعة: قرار نزع السلاح وإعادة الهيكلة
لم تكد حرب تيجراي تضع أوزارها حتى بدأت بوادر التصدع تظهر بوضوح في العلاقة بين الجانبين. ففي منتصف عام 2023، أعلنت الحكومة الفيدرالية عن خطة شاملة لفك وتفكيك القوات الخاصة التابعة للأقاليم ودمجها في الجيش النظامي أو الشرطة الفيدرالية، تحت شعار توحيد مؤسسات الدولة الأمنية وحصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية.
رأى قوميو أمهرة ومقاتلو "فانو" في هذه الخطوة مؤامرة ممنهجة لنزع سلاح الإقليم وتركه مكشوفاً بلا حماية أمام التهديدات العرقية المجاورة، لا سيما في ظل النزاعات الحدودية التاريخية مع إقليم تيجراي ومخاوف الهيمنة السياسية. ومع رفض "فانو" تسليم أسلحتها والانصياع لقرارات الدمج، اندلعت مواجهات عنيفة تحولت تدريجياً إلى تمرد مسلح مفتوح في عموم مدن وقرى إقليم أمهرة.
التحول إلى المواجهة المفتوحة وعسكرة الإقليم
تحول إقليم أمهرة إلى مسرح لحرب استنزاف طاحنة بين الجيش الفيدرالي ومقاتلي "فانو" الذين اعتمدوا على تكتيكات حرب العصابات والسيطرة على المناطق الريفية، مستفيدين من حاضنة شعبية واسعة ترى فيهم حماة حقيقيين لهوية المنطقة ومكتسباتها. ورغم لجوء الحكومة المركزية إلى استخدام القوة المفرفة والطائرات المسيرة في استهداف مواقع الفصائل، إلا أن عجز أي طرف عن حسم المعركة عسكرياً أبقى حالة الاحتقان مستمرة وتهدد باستنزاف موارد الدولة.
وفي محاولات لاحتواء الأزمة أو شق الصف، شهدت الفترة اللاحقة مساعٍ سياسية تخللتها اتفاقيات سلام جزئية وُقعت بين حكومة الإقليم وبعض تشكيلات "فانو" برعاية أطراف محلية وإقليمية، إلا أن المشهد العام ظل محكوماً بالتفرز والانقسام الميداني العنيف واستمرار الاشتباكات المتفرقة.
تعقيدات المشهد الجديد: نحو جبهات واسعة
تطور الصراع بين حكومة آبي أحمد وميليشيات "فانو" ليخرج عن إطاره المحلي الضيق في إقليم أمهرة، حيث سعت قوى معارضة ومسلحة متعددة إلى تنسيق جهودها ضد السلطة المركزية، متجاوزة أحياناً الانقسامات التاريخية العميقة بين القوميات، في مسار يهدف إلى الضغط على أديس أبابا وإعادة صياغة معادلة الحكم والسلطة في إثيوبيا برمتها، مما يضع استقرار البلاد أمام تحديات مصيرية غير مسبوقة.