تحل ذكرى رحيل الفنانة تحية كاريوكا، إحدى أبرز الأسماء التي جمعت بين الرقص والتمثيل، تاركة وراءها مسيرة فنية امتدت لعقود، تحولت خلالها من واحدة من أشهر راقصات الرقص الشرقي إلى ممثلة صاحبة حضور مميز في السينما والمسرح والتلفزيون.
من الإسماعيلية إلى القاهرة
وُلدت تحية كاريوكا، واسمها الحقيقي بدوية تحية محمد علي النيداني كريم، في مدينة الإسماعيلية عام 1915، وفي سنوات طفولتها واجهت ظروفًا أسرية قاسية، قبل أن تهرب إلى القاهرة بحثًا عن حياة مختلفة، وهناك بدأت أولى خطواتها في عالم الفن.
تعرفت في بداياتها على المغنية سعاد محاسن، ثم انتقلت إلى فرقة بديعة مصابني عام 1935، لتبدأ مرحلة جديدة شكلت نقطة انطلاق حقيقية في مسيرتها الفنية.
«الكاريوكا» التي صنعت اسمها
في عام 1940، ارتبط اسم تحية كاريوكا بالرقصة البرازيلية الشهيرة «الكاريوكا»، بعدما قدمتها ضمن أحد عروض فرقة بديعة مصابني. ومنذ ذلك الوقت أصبحت الرقصة جزءًا من اسمها الفني الذي رافقها طوال حياتها.
لم تكن كاريوكا مجرد راقصة تؤدي حركات محفوظة، وإنما قدمت أسلوبًا خاصًا بها، جعلها واحدة من أبرز نجمات الرقص الشرقي في عصرها، قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى السينما والمسرح.
من الرقص إلى التمثيل
مع مرور السنوات، اتجهت تحية كاريوكا بصورة أكبر إلى التمثيل، وفي منتصف خمسينيات القرن الماضي ابتعدت عن الرقص الشرقي وتفرغت للعمل السينمائي، لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرتها.
وقدمت خلال هذه الفترة مجموعة كبيرة من الأفلام التي أصبحت لاحقًا من علامات السينما المصرية، من بينها «لعبة الست»، و«شباب امرأة»، و«الفتوة»، و«أم العروسة»، و«السكرية»، و«خلي بالك من زوزو»، و«الكرنك»، و«السقا مات»، و«وداعًا بونابرت»، إلى جانب أعمال أخرى امتدت حتى تسعينيات القرن الماضي.
ولم تعتمد كاريوكا على صورة واحدة في أدوارها، بل تنوع حضورها بين الشخصيات الشعبية والأم والمرأة القوية والشخصيات ذات التركيبة الإنسانية المعقدة، وهو ما منحها مساحة خاصة بين نجمات جيلها.
«شباب امرأة» و«الفتوة».. محطات بارزة
يظل فيلم «شباب امرأة» من أبرز المحطات في مشوار تحية كاريوكا السينمائي، حيث قدمت شخصية «شفاعات» أمام شكري سرحان وشادية وعبد الوارث عسر، في واحد من الأفلام التي ارتبطت بتاريخ السينما المصرية.
كما شاركت في فيلم «الفتوة» عام 1957، إلى جانب فريد شوقي وتحية كاريوكا وزكي رستم، وواصلت بعدها تقديم أدوار مختلفة رسخت حضورها كممثلة قادرة على الانتقال بين أنماط متعددة من الشخصيات.
وفي «أم العروسة»، ظهرت في دور «زينب»، بينما قدمت في «خلي بالك من زوزو» شخصية أم زوزو، ثم ظهرت في «الكرنك» و«السقا مات» و«السكرية» وغيرها من الأعمال التي أكدت استمرار حضورها على الشاشة.
حضور على المسرح والتلفزيون
لم يتوقف نشاط تحية كاريوكا عند السينما، إذ خاضت تجارب مسرحية عديدة، وشاركت في أعمال منها «روبابيكيا» و«يحيا الوفد» و«كل الرجالة كده» و«حضرة صاحب العمارة» وغيرها.
كما ظهرت في عدد من المسلسلات التلفزيونية خلال مراحل مختلفة من حياتها الفنية، وكان من آخر أعمالها التلفزيونية مسلسل «سر الأرض» عام 1998، قبل رحيلها بعام.
حياة شخصية حافلة
كانت حياة تحية كاريوكا الشخصية بدورها محل اهتمام كبير، إذ تزوجت عدة مرات، وارتبط اسمها بعدد من الشخصيات الفنية والعامة، من بينهم الفنان رشدي أباظة، والفنان أحمد سالم، والمطرب محرم فؤاد، والمخرج المسرحي فايز حلاوة.
وكان زواجها من فايز حلاوة الأطول بين زيجاتها، واستمر لسنوات طويلة قبل أن ينتهي بخلافات وصلت إلى ساحات القضاء.
شخصية لم تكن بعيدة عن السياسة
لم تكن تحية كاريوكا بعيدة عن الأحداث السياسية في مصر، وارتبط اسمها خلال مراحل من حياتها بنشاط سياسي، كما تعرضت للاعتقال على خلفية مواقفها ونشاطها، وهو جانب آخر من شخصيتها تجاوز حدود الفن والرقص والسينما.
السنوات الأخيرة
مع تقدمها في العمر، تراجعت مشاركات تحية كاريوكا الفنية تدريجيًا، لكنها ظلت حاضرة في المشهد الثقافي والفني، وواصلت الظهور في عدد من الأعمال حتى أواخر تسعينيات القرن الماضي.
كما عُرفت بعلاقتها القوية بأسرتها، وكانت قد تبنت طفلة أطلقت عليها اسم «عطية الله»، وارتبطت بها بشدة، وكانت تتحدث عنها باعتبارها واحدة من أهم جوانب حياتها في سنواتها الأخيرة.
الرحيل
رحلت تحية كاريوكا في سبتمبر 1999 عن عمر ناهز 84 عامًا، بعد مسيرة طويلة جمعت خلالها بين الرقص والتمثيل والمسرح والتلفزيون.
وبعد مرور سنوات على رحيلها، ظل اسمها حاضرًا في ذاكرة السينما المصرية، ليس فقط باعتبارها واحدة من أشهر راقصات عصرها، وإنما بوصفها فنانة استطاعت أن تعيد تقديم نفسها أكثر من مرة، وأن تنتقل من خشبة الرقص إلى الشاشة، ثم تثبت وجودها كممثلة صاحبة بصمة خاصة.
ومن «الكاريوكا» التي التصقت باسمها، إلى «شباب امرأة» و«الفتوة» و«أم العروسة» و«الكرنك» و«السقا مات» وغيرها من الأعمال، بقيت تحية كاريوكا واحدة من الشخصيات الفنية التي يصعب اختزال تجربتها في لقب واحد، بعدما امتدت رحلتها مع الفن لأكثر من ستة عقود.