ads
ads

«مرصد الذهب» يرصد خريطة الذهب المهرب في إفريقيا.. 435 طنًا بقيمة 30.7 مليار دولار خارج القنوات الرسمية

اسعار الذهب
اسعار الذهب

كشف «مرصد الذهب» أن تجارة الذهب غير الرسمية تحولت إلى واحدة من أكبر التحديات الاقتصادية التي تواجه القارة الأفريقية، بعدما أصبحت كميات ضخمة من المعدن النفيس تغادر الدول المنتجة خارج القنوات الرسمية، ما يحرم الحكومات من مليارات الدولارات من الإيرادات الضريبية وعائدات التصدير، ويعقد جهود تنظيم قطاع التعدين، خاصة التعدين الأهلي الذي يمثل المصدر الرئيسي للإنتاج في العديد من الدول.

ووفقًا لدراسة شاملة أصدرتها منظمة SWISSAID، فقد خرج ما لا يقل عن 435 طنًا من الذهب الأفريقي خارج القنوات الرسمية خلال عام 2022، بينما قدرت المنظمة أن الإنتاج غير المعلن من التعدين الأهلي يتراوح بين 321 و474 طنًا سنويًا، وهو ما يعكس اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي في قطاع الذهب الأفريقي.

ورغم أن هذه التقديرات تعود إلى عام 2022، فإن التطورات التي شهدتها القارة خلال عامي 2025 و2026، خاصة في السودان وغانا، تشير إلى استمرار الظاهرة، مع تغير بعض مسارات التجارة دون ظهور مؤشرات على تراجعها بصورة واضحة، بل إن الأمر تطور إلى فرض عقوبات دولية مباشرة على تجارة الذهب في السودان تحديدًا خلال يوليو 2026.

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب» للدراسات الاقتصادية، إن قيمة الذهب المهرب ترتفع بصورة كبيرة مع صعود الأسعار العالمية، مشيرًا إلى أن سعر الأوقية تجاوز 4000 دولارًا في نهاية يوليو 2026 مقارنة بنحو 2300 دولار وقت احتساب تقديرات 2022، وهو ما يعني أن القيمة الاقتصادية الحالية للظاهرة أعلى بكثير من الرقم المتداول في الدراسات، حتى في حالة عدم زيادة الكميات المهرَّبة، وهو ما يجعل تهريب الذهب أحد أكبر مصادر فقدان الإيرادات العامة والعملة الأجنبية في الدول الأفريقية المنتجة.

وبحسب دراسة SWISSAID، كانت الإمارات الوجهة الرئيسية للذهب الأفريقي غير المعلن خلال عام 2022، بعدما استقبلت نحو 405 أطنان من إجمالي الفجوة المقدرة بنحو 435 طنًا، أي ما يعادل نحو 66.5% من واردات الإمارات من الذهب الأفريقي في تلك السنة.

كما تشير بيانات الدراسة إلى أن الإمارات استوردت خلال الفترة بين عامي 2012 و2022 نحو 2,569 طنًا من الذهب الأفريقي لم يظهر في بيانات التصدير الرسمية للدول الأفريقية، بقيمة تجاوزت 115 مليار دولار (تذكر بعض المصادر رقم 2596 طنًا، والفارق بين الرقمين محدود ولا يغيّر الصورة العامة).

وأوضح، فاروق أن هذه الأرقام تختلف عن تقديرات أخرى تتناول نسبة الذهب الأفريقي غير المعلن من إجمالي واردات الإمارات من القارة، وهو ما يجعل استخدام بعض النسب المتداولة خارج سياقها أمرًا غير دقيق من الناحية الإحصائية.

الإمارات في قلب الجدل الدولي

أصبحت الإمارات خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكبر مراكز تجارة الذهب في العالم، وهو ما جعلها محورًا للنقاش في عدد من الدراسات الدولية الخاصة بتجارة الذهب الأفريقي، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، من بينها موقعها الجغرافي القريب من أفريقيا، وتطور البنية اللوجستية وشبكات النقل الجوي، ووجود مصافٍ وأسواق نشطة للذهب، فضلًا عن دورها كمركز لإعادة التصدير إلى أسواق رئيسية مثل سويسرا والهند وهونغ كونغ.

ولا تمثل دبي مركزًا لتجارة الذهب غير المعلن فقط، بل تعد أيضًا واحدة من أكبر مراكز تجارة الذهب الرسمية في العالم، وتؤكد تطورات عام 2026 هذه المكانة، إذ كشفت البيانات أن نحو 80% من إنتاج التعدين الأهلي في غانا كان يُكرر في دبي، قبل أن تدفع اضطرابات حركة الطيران السلطات الغانية إلى دراسة مسارات بديلة عبر الهند والصين.

وأشارت المنظمة في تحديث لاحق إلى ارتفاع واردات الإمارات من الذهب القادم من السودان وبعض دول الجوار خلال عام 2024، معتبرة أن ذلك يثير تساؤلات حول فعالية أنظمة التحقق من منشأ الذهب.

وأظهر تحديث أصدرته Swissaid في نوفمبر 2025، بالاستناد إلى بيانات التجارة الدولية لعام 2024، أن الإمارات استوردت 29 طنًا من الذهب مباشرة من السودان، ارتفاعًا من 17 طنًا في عام 2023.

كما استوردت خلال العام نفسه 27 طنًا من مصر، و18 طنًا من تشاد، و9 أطنان من ليبيا، وهي دول ترتبط جغرافيًا بالسودان أو بمسارات التجارة الإقليمية في شمال وشرق أفريقيا.

وامتدت الزيادة إلى دول أفريقية أخرى لا يتناسب إنتاجها المحلي مع حجم صادراتها، إذ استوردت الإمارات 52 طنًا من توجو خلال عام 2024 رغم محدودية إنتاجها المحلي، إلى جانب 31 طنًا من أوغندا و19 طنًا من رواندا، وهما دولتان تعتبرهما تقارير دولية من نقاط العبور المحتملة للذهب القادم من مناطق النزاع في الكونغو الديمقراطية.

وأوضح «مرصد الذهب» أن ارتفاع صادرات دولة منخفضة الإنتاج لا يثبت بمفرده أن كامل الكمية مهربة، لكنه يمثل مؤشرًا يتطلب تتبع بلد الاستخراج الأصلي، خاصة عندما لا تقابل هذه الصادرات بيانات إنتاج محلية أو واردات معلنة بالقيمة نفسها.

في المقابل، ترفض الإمارات هذه الاستنتاجات، وتؤكد أن الفجوات بين بيانات الصادرات والواردات لا يمكن تحميلها للدولة المستوردة وحدها، وأنها لا تتحمل مسؤولية سجلات التصدير الخاصة بالدول الأخرى.

كما أكدت الحكومة الإماراتية أنها عززت خلال السنوات الأخيرة منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وطبقت قواعد أكثر صرامة للعناية الواجبة في تجارة الذهب، عبر القرار الوزاري رقم 68 لسنة 2024 بشأن التزام مصافي الذهب بسياسة العناية الواجبة، وقانون جديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أُقر في 2025 مع لائحته التنفيذية، بما يتوافق مع المعايير الدولية وإرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

وقال، فاروق، إن وجود هذه القواعد يمثل تطورًا مهمًا، لكن الحكم على فعاليتها يجب أن يستند إلى نتائج التنفيذ، وحجم الإفصاح عن بلد الاستخراج الأصلي، وعدد المخالفات والعقوبات، وليس إلى وجود التشريعات فقط، مضيفًا أن استمرار تسجيل واردات كبيرة من دول منخفضة الإنتاج، أو من دول تشهد نزاعات مسلحة، يفرض على المصافي والتجار مسؤولية أكبر في التحقق من المصدر الفعلي للذهب.

التعدين الأهلي.. نقطة البداية

يرى خبراء التعدين أن معظم الذهب غير الرسمي في أفريقيا لا يخرج من المناجم الصناعية الكبرى، وإنما من التعدين الأهلي والصغير، ويعمل فيه ملايين الأشخاص بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وفي كثير من الدول، يباع الذهب المنتج من هذه المناجم لتجار محليين قبل أن ينتقل عبر شبكات وسطاء إلى دول مجاورة أو إلى مراكز تجارة الذهب العالمية، دون أن يمر في كثير من الأحيان عبر القنوات الحكومية المختصة.

وتؤدي عدة عوامل إلى اتساع هذه الظاهرة، من بينها ضعف الرقابة، وارتفاع تكلفة الامتثال للإجراءات الرسمية، والنزاعات المسلحة، والحدود البرية المفتوحة، إضافة إلى اعتماد ملايين الأسر الأفريقية على التعدين الأهلي كمصدر رئيسي للدخل.

سويسرا والهند.. مراكز رئيسية للتكرير والتصنيع

لا تتوقف حركة الذهب الأفريقي عند دولة واحدة، إذ تلعب سويسرا دورًا رئيسيًا في تكرير الذهب عالميًا، بينما تعد الهند من أكبر أسواق تصنيع واستهلاك المشغولات الذهبية.

وتشير بيانات التجارة الدولية إلى أن جزءًا كبيرًا من الذهب الأفريقي يعاد تصديره بعد التكرير أو يدخل في سلاسل تصنيع عالمية، وهو ما يزيد من تعقيد تتبع منشأ المعدن بعد مغادرته الدول المنتجة.

السودان.. ذهب الحرب والفجوة بين الإنتاج والتصدير الرسمي

تكشف أحدث البيانات الرسمية عن استمرار اتساع أهمية الذهب في الاقتصاد السوداني، بالتزامن مع صعوبة إحكام السيطرة على كامل إنتاجه ومسارات تجارته في ظل الحرب.

ووفق بيانات بنك السودان المركزي ووزارة المعادن السودانية، بلغ إنتاج الذهب في السودان نحو 70 طنًا خلال عام 2025، بزيادة 13% عن المستهدف، وهو أعلى مستوى للإنتاج منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حين تراجع الإنتاج إلى نحو طنين فقط قبل أن يتعافى تدريجيًا إلى 64 طنًا في 2024، في حين اقتصرت الصادرات الرسمية خلال عام 2025 على نحو 14.7 طنًا فقط بقيمة بلغت حوالي 1.536 مليار دولار.

ويكشف الفارق الكبير بين الرقمين عن فجوة واسعة بين الذهب المنتج والذهب الذي يظهر في بيانات الصادرات الرسمية، وإن كان هذا الفارق لا يمكن اعتباره بالكامل ذهبًا مهربًا، نظرًا إلى احتمالات وجود مخزون واستهلاك محلي وفروق زمنية بين الإنتاج والتصدير، إلى جانب الذهب الذي يخرج خارج القنوات الرسمية.

وتزداد أهمية هذه الفجوة مع هيمنة التعدين التقليدي على إنتاج الذهب السوداني، إذ بلغ إنتاج هذا القطاع أكثر من 80% من إجمالي الإنتاج المعلن، كما أصبح الإنتاج موزعًا على 6 ولايات فقط، مقارنة بـ14 ولاية كانت منتجة قبل اندلاع الحرب، ما يعكس التغير الكبير الذي طرأ على خريطة التعدين السودانية خلال سنوات النزاع.

وبحسب أحدث بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية عن الربع الأول من 2026، بلغت إيرادات التعدين الأهلي 113% من المستهدف، بينما وصل الإنتاج إلى 89% من الخطة الموضوعة.

وتقدر منظمة SWISSAID أن ما بين 50% و70% من إنتاج الذهب السوداني يخرج سنويًا خارج القنوات الرسمية، كما تقدر أن ما لا يقل عن 400 طن من الذهب السوداني جرى تهريبها خلال الفترة بين 2012 و2024.

وتضع هذه التقديرات الفجوة بين الإنتاج والتجارة الرسمية في سياق أوسع، يتعلق بصعوبة تتبع الذهب المنتج في مناطق التعدين التقليدي منذ استخراجه وحتى وصوله إلى الأسواق.

ومع استمرار الحرب، أصبح الذهب أكثر ارتباطًا باقتصاد الصراع، إذ وثقت تقارير دولية استخدام عائدات الذهب في تمويل أنشطة مرتبطة بأطراف النزاع وشبكات تجارية ومالية تعمل خارج القنوات الرسمية.

وفي المقابل، تحاول الحكومة السودانية زيادة سيطرتها على سلسلة الذهب من الإنتاج إلى التصدير، ففي مايو 2026، أصدرت وزارة المالية حزمة موجهات لتعظيم عائدات تجارة وصادرات الذهب وتنظيم التعدين التقليدي، شملت وضع أسعار شراء حكومية محفزة، وتوفير التمويل والضمانات لعمليات الشراء، وإحكام الرقابة على أسواق التعدين، وربط تخزين الذهب بالمستندات الرسمية، ومنع التصدير خارج القنوات الرسمية، وتشديد الرقابة على تجارة الحدود والمعابر، إلى جانب تنفيذ خطة لمكافحة التهريب.

الاتحاد الأوروبي وبريطانيا يشددان الخناق على ذهب السودان

وفي تطور يعكس تصاعد القلق الدولي من استخدام الذهب في تمويل النزاع، قرر مجلس الاتحاد الأوروبي في 13 يوليو 2026 تشديد نظام العقوبات المفروض على السودان عبر حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني داخل دول الاتحاد.

كما حظر المجلس تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما من المواد المستخدمة في استخلاص الذهب، مع استثناءات للأغراض الإنسانية والصحية، وقال إن الإجراءات تستهدف الحد من استخدام عائدات المعدن في تمويل الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

وبعد ثلاثة أيام فقط، في 16 يوليو 2026، أعلنت المملكة المتحدة حزمة عقوبات جديدة استهدفت 11 فردًا وكيانًا متهمين باستخدام تجارة الذهب لتمويل الحرب، من بينهم ثلاث شركات تعدين حكومية سودانية هي أم درمان للتعدين وأرياب للتعدين وسودامين، إلى جانب شركات واجهة تنشط في سوقي الذهب في دبي وهونج كونج.

وقالت الخارجية البريطانية إن الصادرات الرسمية المعلنة للذهب السوداني لم تتجاوز 1.5 مليار دولار خلال عامي 2024 و2025 مجتمعين، بينما تُقدَّر القيمة الحقيقية للقطاع بأضعاف هذا الرقم بسبب التهريب، وأعلنت أن ملف الذهب غير المشروع سيكون محورًا رئيسيًا في قمة لندن لمكافحة التمويل غير المشروع المقررة في ديسمبر 2026.

وأوضح «مرصد الذهب» أن هذه العقوبات قد لا تؤدي تلقائيًا إلى وقف التدفقات، لكنها تزيد أهمية تتبع بلد الاستخراج الحقيقي، لأن الذهب قد يعاد تكريره أو تصديره عبر دولة ثالثة، ثم يظهر في البيانات التجارية باعتباره قادمًا من بلد التكرير وليس من السودان.

مصر.. تصعيد أمني على الحدود الجنوبية في مواجهة محاولات استغلالها

تضع بعض الدراسات والتقارير الدولية مصر ضمن دول الجوار التي قد تحاول شبكات غير رسمية استخدامها لنقل جزء من الذهب السوداني، مستفيدة من امتداد الحدود الصحراوية واتساع المساحات وصعوبة مراقبة جميع المسارات غير الرسمية.

لكن «مرصد الذهب» أكد أن ورود اسم مصر ضمن مسارات العبور المحتملة لا يعني وجود سياسة مصرية تسمح بتهريب الذهب، ولا يثبت تورط المؤسسات الرسمية أو السوق المصرية في إعادة تصدير كميات محددة، خاصة مع عدم وجود بيانات معلنة ودقيقة تحدد حجم الذهب السوداني الذي دخل مصر بصورة غير قانونية.

وفي المقابل، تكشف البيانات الرسمية المصرية عن جهود متصاعدة لمواجهة التنقيب العشوائي والتهريب على الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي خلال 2026. ففي بيان صادر في 23 يونيو 2026، أعلنت قوات حرس الحدود، بالتنسيق مع القوات المسلحة، ضبط 58 واقعة تنقيب عشوائي عن خام الذهب، ومصادرة 20 جهاز كشف عن المعادن، و200 آلة حفر كهربائية، و118 مولدًا كهربائيًا، إلى جانب نحو 86 طنًا من الأحجار المخلوطة بخام الذهب، ضمن حصيلة عمليات أوسع شملت أيضًا ضبط قضايا اتجار في السلاح والمخدرات والهجرة غير النظامية.

وسبق ذلك في يونيو 2026 عملية أمنية موسعة على الحدود مع السودان أسفرت عن احتجاز مئات الأشخاص، من بينهم رعايا أجانب، بتهمة التنقيب غير المشروع والتهريب، في أعقاب ضربات استهدفت مجموعات سودانية متورطة في هذه الأنشطة بعد تجاوزها الحدود المصرية، بحسب بيان للمتحدث العسكري الذي وصف هذه الظاهرة، المعروفة محليًا باسم «الدهابة»، بأنها تطورت إلى «نشاط إجرامي منظم يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي».

وقال، فاروق، إن هذه العمليات تؤكد أن الدولة المصرية تتعامل مع التنقيب والتهريب باعتبارهما نشاطين غير مشروعين، وأن محاولات استخدام الأراضي أو الحدود المصرية من جانب شبكات إقليمية تقابلها إجراءات أمنية وملاحقات رسمية متواصلة.

وأضاف أن الصياغة المهنية الأدق ليست وصف مصر بأنها «بوابة لتهريب الذهب السوداني»، وإنما القول إن بعض التقارير تشير إلى محاولات استخدام الحدود المصرية ضمن عدة مسارات إقليمية، بينما تكثف القوات المسلحة وحرس الحدود جهود إحباط التنقيب غير المشروع والتهريب وتأمين الاتجاه الجنوبي، بما يشمل توسيع مناطق الاستكشاف الرسمية؛ إذ تعتزم هيئة الثروة المعدنية طرح 3 مناطق استثمار جديدة للبحث عن الذهب في الصحراء الشرقية خلال النصف الثاني من 2026.

غانا تنتقل من خسائر التهريب إلى احتواء القطاع

يقدم التقرير غانا نموذجًا لكيفية تحول تهريب الذهب إلى أزمة اقتصادية كبيرة، إذ نقل مسؤولون غانيون عن تحقيقات رويترز أن البلاد خسرت نحو 11.4 مليار دولار بين عامي 2019 و2023، نتيجة فجوة بين صادرات غانا وواردات الدول الشريكة، وفي مقدمتها الإمارات.

وأظهرت الدراسات أن بعض الذهب كان ينتقل عبر توجو وبوركينا فاسو ومالي قبل الوصول إلى دبي، مستفيدًا من الحدود المفتوحة وضعف الرقابة والاختلافات الضريبية.

ودفعت هذه الخسائر غانا إلى إنشاء مجلس الذهب الغاني «GoldBod»، ومنحه حق شراء وتصدير ذهب التعدين الأهلي حصريًا، مع إلغاء ضريبة كانت تشجع المنتجين على البيع خارج القنوات الرسمية.

وسجل إنتاج التعدين الأهلي والصغير في غانا مستوى قياسيًا بلغ 104 أطنان خلال عام 2025، متجاوزًا إنتاج الشركات الكبرى لأول مرة، وحقق القطاع نحو 11 مليار دولار من عائدات النقد الأجنبي مقابل نحو 9 مليارات دولار من شركات التعدين الكبرى، ما يوضح أن إدخال القطاع الأهلي إلى المنظومة الرسمية يمكن أن يحول الذهب من مصدر للتهريب إلى مصدر رئيسي للعملة الأجنبية.

وبحسب بيانات قدّمها نائب وزير المالية الغاني للبرلمان في يونيو 2026، اشترى مجلس الذهب الغاني ما مجموعه 135.843 طنًا من الذهب بين يناير 2025 ومايو 2026، منها 135.221 طنًا (نحو 98%) من قطاع التعدين الأهلي، بإنفاق إجمالي بلغ 16.11 مليار دولار. كما رخّص المجلس حتى نهاية مايو 2026 لعدد 1,184 تاجرًا ووسيطًا معتمدًا.

وأظهرت تصريحات الرئيس التنفيذي للمجلس، منتصف يوليو 2026، أن المجلس اشترى ما بين 50 و54 طنًا خلال النصف الأول من 2026، متوقعًا أن يعادل إنتاج العام إنتاج 2025 القياسي أو يتجاوزه، رغم أن تراجع أسعار الذهب عن التوقعات الأولية قد يحد من نمو عائدات النقد الأجنبي المتوقعة.

التعدين الأهلي يوسع الظاهرة

وأشار «مرصد الذهب» إلى أن التعدين الأهلي والصغير يمثل المحرك الأساسي للذهب غير المعلن في أفريقيا، لكونه يوفر مصدر دخل لملايين العمال، لكنه يعمل في كثير من الدول خارج التراخيص والرقابة البيئية والمصرفية.

وفي غانا، تراوحت تقديرات العاملين دون تراخيص داخل القطاع بين 70% و80%، بينما دفعت الأسعار المرتفعة مزيدًا من الأفراد والشبكات إلى دخول مناطق التعدين، ما أدى إلى صدامات مع الشركات الكبرى وزيادة استخدام المعدات الثقيلة والتكنولوجيا في المواقع غير القانونية.

وأوضح التقرير أن ارتفاع أسعار الذهب لا يؤدي فقط إلى زيادة قيمة الذهب المهرب، وإنما يجعل التعدين غير المشروع أكثر ربحية، ويزيد قدرة الشبكات على تحمل تكاليف النقل والرشاوى والوسطاء والمخاطر الحدودية.

كيف يعمل مسار التهريب؟

تبدأ سلسلة الذهب غير الرسمي عادة عند مناجم صغيرة أو مواقع تعدين أهلي لا تسجل كامل إنتاجها، ثم ينتقل الخام أو الذهب شبه المكرر إلى تجار محليين يدفعون نقدًا أو بالعملات الأجنبية.

بعد ذلك ينقل الذهب برًا إلى دولة مجاورة ذات رقابة أضعف أو ضرائب أقل، أو يحمل جوًا بكميات صغيرة ومتكررة، قبل بيعه إلى شركات تجارة أو مصافٍ.

وقد يخلط الذهب بعد ذلك بكميات نظامية، أو يعاد صهره وتكريره، ما يصعب تحديد المنجم أو الدولة التي خرج منها لأول مرة، وعند إعادة تصديره قد يظهر بلد التكرير أو الشحن الأخير باعتباره بلد المنشأ التجاري، وهو ما يفصل الذهب في البيانات الرسمية عن الدولة الأفريقية التي استخرج منها.

سويسرا المحطة التالية

وأشار التقرير إلى أن جانبًا من الذهب الذي يصل إلى الإمارات يعاد تصديره إلى سويسرا، التي تضم عددًا من أكبر مصافي الذهب في العالم، وفي عام 2025، تجاوزت صادرات الذهب من الإمارات إلى سويسرا 360 طنًا بقيمة قاربت 32 مليار فرنك سويسري، وفق بيانات أشارت إليها Swissaid في مايو 2026، كما ارتفعت واردات سويسرا من دبي بين يناير وسبتمبر 2025 إلى 316 طنًا بقيمة 27 مليار فرنك سويسري، أي أكثر من ضعف المعدل السنوي المعتاد.

ولا تعني هذه الكميات أن كامل الذهب إماراتي المنشأ أو أفريقي أو غير مشروع، لكنها تعكس مكانة الإمارات باعتبارها حلقة رئيسية بين الذهب المنتج في أفريقيا والمصافي والأسواق المالية العالمية.

وتكمن المشكلة في أن الذهب بعد تكريره وخلطه قد يفقد هويته الإحصائية الأصلية، ويظهر في بيانات الاستيراد باسم الدولة التي صدر منها آخر مرة، بدلًا من الدولة التي استخرج منها.

الظاهرة تتجاوز السودان وغانا

وأوضح «مرصد الذهب» أن المشكلة لا تقتصر على السودان وغانا، بل تمتد إلى مالي وزيمبابوي والكونغو الديمقراطية وأوغندا ورواندا وتوجو وجنوب السودان وعدد من دول الساحل.

وتشير أحدث بيانات Swissaid عن جنوب السودان إلى أن معظم إنتاجه، المقدر بنحو خمسة أطنان، يخرج خارج القنوات الرسمية، مع مؤشرات إلى تورط شبكات أجنبية وجماعات مسلحة في التجارة، كما تشير تقارير إلى انتقال الذهب القادم من الكونغو وجنوب السودان عبر كينيا وصولًا إلى دبي وأبوظبي، ما يعكس تعدد المسارات وعدم اقتصار التهريب على الحدود المباشرة بين الدول المنتجة والإمارات.

توصيات لوقف نزيف الذهب الأفريقي

واختتم «مرصد الذهب» تقريره بالتأكيد على أن مكافحة تهريب الذهب لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها، لأن جانبًا كبيرًا من الظاهرة يرتبط بعوامل اقتصادية، من بينها الضرائب المرتفعة، وضعف الأسعار الرسمية، وصعوبة حصول صغار المنتجين على تراخيص وتمويل وقنوات بيع قانونية.

ودعا المرصد إلى إنشاء نظام أفريقي موحد لتتبع منشأ الذهب من المنجم إلى المصفاة، وربط تصاريح الإنتاج والتصدير بقواعد بيانات رقمية يمكن للدول المستوردة والمصافي التحقق منها، كما دعا إلى إلزام التجار والمصافي بالإفصاح عن بلد الاستخراج الحقيقي، وعدم الاكتفاء ببلد التكرير أو آخر دولة شحن، وتشديد الرقابة على الذهب المحمول جوًا، وتعزيز تبادل البيانات بين الجمارك والبنوك المركزية والسلطات الأمنية.

وأكد التقرير أهمية دعم التعدين الأهلي بدلًا من الاكتفاء بتجريمه، عبر خفض تكاليف التسجيل والضرائب، وتوفير مراكز شراء رسمية بأسعار تنافسية، والاستفادة من تجربة غانا في إدخال إنتاج صغار المعدنين إلى السوق الرسمية.

وشدد على ضرورة التفرقة بين الدولة التي تحاول شبكات التهريب استغلال حدودها، وبين الدولة التي تتبنى أو تسهل هذا النشاط، مؤكدًا أن البيانات الرسمية المصرية تعكس جهودًا واضحة من القوات المسلحة وحرس الحدود في مواجهة التنقيب غير المشروع والتهريب وحماية الحدود الجنوبية.

ويرى «مرصد الذهب» أن الإمارات، بحكم مكانتها بوصفها أكبر مركز لتجارة الذهب الأفريقي، تتحمل مسؤولية محورية في ضمان شفافية سلاسل التوريد، بينما تتحمل الدول الأفريقية مسؤولية تسجيل الإنتاج، وتوفير مسارات قانونية للتعدين الأهلي، والحد من الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الذي تدفعه شبكات التهريب.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً