ads
ads

مرصد الذهب: صناعة الألماس الإسرائيلية تواجه انهيارا حادا.. وتجار مخضرمون يتحولون إلى سائقي أجرة

صناعة الالماس
صناعة الالماس

كشف «مرصد الذهب» أن صناعة الألماس في إسرائيل تواجه واحدة من أسوأ أزماتها منذ عقود، في ظل تراجع الطلب العالمي، والانخفاض الحاد في أسعار الألماس المصنع معمليًا، وتباطؤ الاقتصاد الصيني، إلى جانب ضغوط تجارية متزايدة، في وقت تشهد فيه صناعة الألماس الطبيعي تحولات هيكلية تعيد رسم خريطة القطاع عالميًا.

صناعة الألماس الإسرائيلية

وتتوافق هذه القراءة مع ما كشفه موقع 'واينت' الإسرائيلي في تقرير موسع رصد تدهورًا غير مسبوق في سوق الألماس الإسرائيلي، مشيرًا إلى إغلاق عشرات المكاتب داخل بورصة الألماس، وخروج عدد كبير من التجار من المهنة، واضطرار بعضهم إلى العمل في مهن أخرى، في ظل تراجع عالمي في الطلب، وانتشار الألماس المصنع معمليًا، وتحديات تجارية أثرت على القطاع.

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن ما يحدث في إسرائيل لا يمثل أزمة محلية عابرة، بل يعكس تحولًا عميقًا يمر به قطاع الألماس الطبيعي عالميًا، إلا أن تداعياته جاءت أكثر حدة على السوق الإسرائيلية، نتيجة تزامن التراجع العالمي في الطلب مع الرسوم الجمركية الأمريكية التي أضعفت القدرة التنافسية للصادرات الإسرائيلية في أكبر أسواقها الخارجية.

ويرى «مرصد الذهب» أن الأزمة الحالية جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل، في مقدمتها تباطؤ الاقتصاد الصيني، والانخفاض الحاد في أسعار الألماس المصنع معمليًا، وزيادة المعروض العالمي، إلى جانب الرسوم الجمركية الأمريكية التي فرضت ضغوطًا إضافية على قطاع يعتمد بصورة كبيرة على السوق الأمريكية.

ولا يقتصر تأثير هذه الأزمة على السوق الإسرائيلية وحدها، بل يعكس تحولات أوسع يشهدها قطاع الألماس الطبيعي عالميًا، وهو ما تؤكده مؤشرات السوق وتقارير المؤسسات الدولية المتخصصة، فضلًا عن النتائج المالية لشركات التعدين الكبرى، وفي مقدمتها شركة «دي بيرز»، التي تواجه هي الأخرى ضغوطًا غير مسبوقة نتيجة تراجع الطلب العالمي.

خريطة الألماس العالمية

قبل الوقوف على أبعاد الأزمة، لا بد من الإشارة إلى المكانة التي احتلتها إسرائيل لعقود في تجارة الألماس العالمية، إذ تضم بورصة الألماس في مدينة رمات جان نحو 3200 عضو، وتعد واحدة من أكبر مراكز تجارة الألماس في العالم.

ويمر عبر البورصة سنويًا نحو ثلث تجارة الألماس الخام عالميًا، كما ظلت إسرائيل لسنوات المورد الأول للألماس المصقول إلى السوق الأمريكية، حيث يمثل الألماس الإسرائيلي نحو نصف قيمة مشتريات المستهلك الأمريكي من الألماس المصقول.

وفي سنوات الذروة، بلغت صادرات إسرائيل من الألماس المصقول نحو 7 مليارات دولار سنويًا، بينما وصل إجمالي تجارة الألماس الخام والمصقول إلى نحو 10 مليارات دولار، ليساهم القطاع بنحو 17% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية، ويوفر فرص عمل مباشرة لنحو 20 ألف شخص داخل إسرائيل، إلى جانب عشرات الآلاف العاملين في الأنشطة المرتبطة بالصناعة حول العالم.

ويؤكد «مرصد الذهب» أن هذه المكانة هي ما تجعل الأزمة الحالية استثنائية، إذ لا يتعلق الأمر بتراجع نشاط قطاع محدود، وإنما بأحد أهم القطاعات التصديرية التي شكلت لعقود ركيزة أساسية لصناعة الألماس العالمية.

إغلاق النشاط

تعكس شهادات عدد من كبار المتعاملين في بورصة الألماس الإسرائيلية حجم الأزمة التي يعيشها القطاع، إذ اضطر كثيرون إلى مغادرة المهنة بعد سنوات طويلة من العمل، بينما لجأ آخرون إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، من بينها قيادة سيارات الأجرة، والعمل في شركات الصرافة، أو إدارة متاجر صغيرة، بعد أن كانت تجارة الألماس تحقق لهم ملايين الدولارات سنويًا.

ولا تقتصر الأزمة على قصص فردية، بل تؤكدها البيانات الرسمية الصادرة عن بورصة الألماس الإسرائيلية، التي سجلت لأول مرة منذ تأسيسها تراجعًا صافيًا في عدد الأعضاء، فبعدما كانت تستقطب نحو 200 عضو جديد سنويًا خلال سنوات الازدهار، انخفض عدد المنضمين إلى نحو 30 عضوًا فقط خلال العام الأخير، في وقت تجاوز فيه عدد المتقاعدين والمنسحبين عدد الأعضاء الجدد بفارق كبير.

المشهد داخل بورصة الألماس الإسرائيلية تغير بصورة جذرية خلال السنوات الأخيرة، مع إغلاق عدد كبير من المكاتب، وتراجع حركة البيع والشراء بشكل غير مسبوق، وهو ما دفع مسؤولي القطاع إلى التحذير من أن الأزمة باتت تهدد مستقبل الصناعة ومصادر دخل آلاف الأسر التي تعتمد عليها.

الأرقام تكشف حجم التراجع

وتعكس البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب مراقب الألماس الإسرائيلي وبورصة الألماس الإسرائيلية حجم الضغوط التي يتعرض لها القطاع خلال الفترة الأخيرة.

فقد هبطت صادرات الألماس المصقول إلى نحو 2.4 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 7 مليارات دولار في سنوات الذروة عام 2015، بما يعكس تراجعًا تجاوز ثلثي قيمة الصادرات خلال عقد واحد.

كما انخفضت صادرات الألماس المصقول بنسبة 22% على أساس سنوي لتسجل نحو 625.7 مليون دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، وفق بيانات وزارة الاقتصاد والصناعة الإسرائيلية.

وفي المقابل، تراجعت واردات الألماس المصقول بنسبة 32.9%، بينما انخفضت صادراته بنسبة 35.7% خلال العام الأخير، بحسب بيانات بورصة الألماس الإسرائيلية.

وامتد التراجع إلى إجمالي حجم التجارة في القطاع، الذي هبط إلى نحو 4 مليارات دولار، مقارنة بنحو 12 مليار دولار خلال سنوات الازدهار، في مؤشر يعكس حجم الانكماش الذي أصاب واحدة من أهم الصناعات التصديرية في إسرائيل.

عوامل أزمة الألماس الإسرائيلي

ويرى «مرصد الذهب» أن الأزمة الحالية لم تكن نتيجة سبب واحد، وإنما جاءت بفعل تداخل عدة عوامل رئيسية، في مقدمتها تباطؤ الاقتصاد الصيني، أحد أكبر أسواق استهلاك الألماس الطبيعي، حيث لم يستعد الطلب على السلع الفاخرة زخمه المتوقع بعد الجائحة.

كما أسهم الانخفاض الحاد في أسعار الألماس المصنع معمليًا في تغيير سلوك المستهلكين، وأضعف الثقة في سوق الألماس بصورة عامة، بالتزامن مع زيادة المعروض العالمي وتوسع المنتجين الهنود في عمليات التصنيع والتجارة.

وفي الوقت نفسه، أدى الانتشار السريع للألماس المصنع إلى إعادة تشكيل السوق، بينما جاءت الرسوم الجمركية الأمريكية على الصادرات الإسرائيلية لتضيف عبئًا جديدًا على القطاع، وتزيد من صعوبة المنافسة في أكبر سوق تستقبل الألماس الإسرائيلي.

الرسوم الجمركية

في حين تمثل تباطؤ الأسواق العالمية، وتراجع الطلب، وصعود الألماس المصنع تحديات تواجه صناعة الألماس في مختلف أنحاء العالم، فإن القطاع في إسرائيل تعرض لضغوط إضافية جعلت الأزمة أكثر حدة مقارنة بالمراكز المنافسة.

ويشير «مرصد الذهب» إلى أن الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على واردات الألماس الإسرائيلي كانت أحد أبرز العوامل التي أضعفت قدرة الشركات الإسرائيلية على المنافسة داخل السوق الأمريكية، التي تستحوذ على النسبة الأكبر من صادرات إسرائيل من الألماس المصقول.

وتفرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية تصل إلى 15% على الألماس الإسرائيلي، وهي رسوم تعود إلى حقبة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في حين حصلت بلجيكا ودول الاتحاد الأوروبي على إعفاءات من هذه الرسوم، ما منح صادراتها أفضلية تنافسية واضحة داخل السوق الأمريكية، بفارق يصل إلى 12.5 نقطة مئوية مقارنة بنظيرتها الإسرائيلية.

وأثارت هذه التطورات انتقادات داخل القطاع، إذ حمل مسؤولون في بورصة الألماس الإسرائيلية الحكومة مسؤولية عدم التوصل إلى اتفاق يضمن معاملة مماثلة مع الولايات المتحدة، محذرين من أن استمرار هذا الوضع يدفع الشركات إلى نقل جزء من عملياتها إلى مراكز تجارية منافسة مثل بلجيكا ودبي، للاستفادة من المزايا الجمركية والتجارية المتاحة هناك.

وامتدت تداعيات الأزمة إلى داخل القطاع نفسه، بعدما أعلنت بورصة الألماس الإسرائيلية في وقت سابق انسحابها مؤقتًا من الاتحاد العالمي لبورصات الألماس، احتجاجًا على ما اعتبرته تقاعسًا في الدفاع عن مصالح الصناعة الإسرائيلية، قبل أن تعود لاحقًا إلى عضوية الاتحاد.

الألماس المصنع

ويرى «مرصد الذهب» أن التحول الأكبر الذي شهدته الصناعة خلال السنوات الأخيرة بدأ مع الانتشار الواسع للألماس المصنع معمليًا، والذي غيّر معادلة السوق وأعاد تشكيل سلوك المستهلكين في مختلف الأسواق.

فبعدما كان المستهلك يدفع نحو 10 آلاف دولار للحصول على قيراط من الألماس الطبيعي، أصبح بإمكانه شراء حجر مصنع بالحجم نفسه مقابل نحو 3 آلاف دولار فقط، وهو ما دفع شريحة واسعة من المشترين، خاصة المقبلين على الزواج، إلى إعادة النظر في قرارات الشراء.

ولم تتوقف التأثيرات عند فارق السعر، بل امتدت إلى مفهوم القيمة نفسه، إذ أدى استخدام الرسائل التسويقية ذاتها للألماس الطبيعي والمصنع، خاصة في سوق خواتم الخطبة، إلى إضعاف فكرة الندرة التي طالما مثلت الركيزة الأساسية لقيمة الألماس الطبيعي.

كما شهدت أسعار الألماس المصنع انهيارًا حادًا خلال السنوات الأخيرة، إذ تشير التقديرات إلى تراجعها بنسبة تراوحت بين 80% و95% خلال خمس سنوات فقط، ما أفقده جزءًا كبيرًا من قيمته عند إعادة البيع، وأثر في ثقة المستهلكين بسوق الألماس بوجه عام، وليس بالألماس المصنع وحده.

دي بيرز أكبر اسم في الصناعة

ويؤكد «مرصد الذهب» أن ما تواجهه شركة دي بيرز يمثل أحد أوضح المؤشرات على عمق الأزمة التي يعيشها قطاع الألماس الطبيعي عالميًا.

فقد تراجعت مبيعات الشركة من نحو 6.6 مليار دولار عام 2022 إلى نحو 3.5 مليار دولار، بانخفاض يقارب النصف خلال ثلاث سنوات، كما انخفض إنتاجها من 35 مليون قيراط إلى 21.7 مليون قيراط خلال الفترة نفسها.

وخلال الربع الأول من عام 2026، تراجع متوسط سعر بيع القيراط لدى الشركة بنسبة 19% ليصل إلى نحو 101 دولار، في حين أعلنت شركة أنجلو أمريكان، المالكة لحصة 85% في دي بيرز، خططًا للتخارج من استثمارها مقابل نحو مليار دولار فقط، وهو تقييم يعكس حجم التراجع الذي أصاب أكبر علامة تجارية في صناعة الألماس الطبيعي.

وفي يوليو 2026، اضطرت دي بيرز إلى إجراء تخفيضات رسمية وشاملة في أسعارها، بعد سنوات من اللجوء إلى خصومات غير معلنة للمشترين، في خطوة اعتبرها مراقبون اعترافًا بأن آلية التسعير التقليدية لم تعد قادرة على مواكبة واقع السوق.

وفي المقابل، تشير الشركة إلى أن الطلب لم يختفِ بالكامل، بل أصبح أكثر انتقائية، إذ لا تزال الأحجار الطبيعية الفاخرة وعالية الجودة تحافظ على مستويات طلب وأسعار أفضل، بينما تتعرض الفئات الأقل قيمة لضغوط كبيرة، في مشهد تصفه الشركة بأنه سوق يأخذ شكل حرف 'K'، حيث يستفيد الجزء الأعلى من السوق، بينما يواصل الجزء الأدنى التراجع.

ضغوط تجارية ومنافسة أشد

يرى «مرصد الذهب» أن اعتماد إسرائيل على السوق الأمريكية جعل قطاع الألماس أكثر عرضة للتقلبات التجارية والقيود الجمركية، في وقت نجحت فيه مراكز منافسة مثل بلجيكا والهند والإمارات في تعزيز حصتها من التجارة العالمية، مستفيدة من سياسات أكثر مرونة في إعادة التصدير واتفاقيات تجارية منحتها أفضلية واضحة.

ولا ترتبط المنافسة اليوم بحجم الإنتاج أو الخبرة في صقل الأحجار فحسب، بل أصبحت تعتمد أيضًا على البيئة التجارية، وتكاليف التصدير، وسرعة الوصول إلى الأسواق الرئيسية، وهي عوامل أسهمت في إعادة رسم خريطة تجارة الألماس العالمية خلال السنوات الأخيرة.

مؤشرات دولية تؤكد عمق الأزمة

وتتوافق التطورات التي يشهدها القطاع في إسرائيل مع ما رصدته مؤسسات دولية متخصصة، والتي تشير إلى أن صناعة الألماس الطبيعي تمر بواحدة من أصعب مراحلها منذ عقود.

فقد أوضحت بلومبرج أن القطاع يواجه أزمة ممتدة بفعل تباطؤ الطلب في الصين، والضغوط التجارية، والتوسع السريع في إنتاج الألماس المصنع، وهي العوامل التي انعكست أيضًا على خطط إعادة هيكلة شركة «دي بيرز» وإعادة تقييم قيمتها السوقية.

وفي السياق نفسه، نقلت رويترز عن رئيس المجلس العالمي للألماس قوله إن الانخفاض الحاد في أسعار الألماس المصنع بدأ يؤثر في ثقة المستهلكين، بعدما فقد هذا المنتج جانبًا كبيرًا من قيمته خلال فترة قصيرة، الأمر الذي دفع شركات الألماس الطبيعي إلى تكثيف جهودها لإبراز الفارق بين المنتجين.

كما أشارت فاينانشيال تايمز إلى أن شركات التعدين والهيئات الدولية كثفت حملاتها التسويقية لإعادة ترسيخ مفهوم الندرة والقيمة طويلة الأجل للألماس الطبيعي، بالتوازي مع تطوير معايير أكثر وضوحًا للتمييز بين الألماس الطبيعي والمصنع، في محاولة لاستعادة ثقة المستهلكين.

وتُظهر دراسات حديثة صادرة عن «دي بيرز» أن المستهلك الأمريكي لا يزال يمنح الألماس الطبيعي قيمة أكبر في المناسبات العاطفية، وعلى رأسها خواتم الخطبة والزواج، إلا أن الشركة ترى أن الحفاظ على هذه الأفضلية يتطلب مزيدًا من الشفافية في الإفصاح والتسويق.

تشريعات جديدة لحماية المستهلك

ويرصد «مرصد الذهب» اتجاهًا متزايدًا لدى عدد من الدول والهيئات الدولية نحو تشديد قواعد الإفصاح عن الألماس المصنع، بهدف منع أي خلط بينه وبين الألماس الطبيعي.

كما يدعو الاتحاد العالمي للمجوهرات، إلى استخدام توصيفات واضحة عند تسويق الأحجار المصنعة، بما يضمن تعريف المستهلك بطبيعة المنتج الذي يشتريه، ويمنع استخدام مصطلحات قد توحي بأنه ألماس طبيعي.

ويخلص «مرصد الذهب» إلى أن استمرار الضغوط التي تواجه قطاع الألماس الإسرائيلي يهدد بفقدان إسرائيل مكانتها كواحدة من أهم مراكز تجارة وصناعة الألماس في العالم، خاصة مع انتقال جانب من النشاط إلى مراكز منافسة تتمتع بمزايا تجارية وجمركية أكبر.

وفي حال استمرار تراجع الطلب العالمي دون حلول تعيد للقطاع قدرته التنافسية، فقد تشهد الصناعة الإسرائيلية أكبر إعادة هيكلة في تاريخها، بعد عقود كانت خلالها لاعبًا رئيسيًا في سوق الألماس العالمية.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
الرئيس السيسي يؤكد تضامن مصر الكامل مع اليونان في مواجهة تداعيات حرائق الغابات