تحولت قصة طالب جامعي بسيط من مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية إلى صدمة جماعية أعادت فتح ملف خطير طالما ظل يتفاعل في الخفاء عمرو عبد الحكيم عمارة طالب بالفرقة الثالثة بكلية الحاسبات والمعلومات وجد نفسه فجأة محكوما عليه بالسجن المؤبد غيابيا في قضية اتجار بالمخدرات لم يكن عمرو تاجرا ولا مروجا ولم يكن على دراية بالشحنة التي ضبطت داخل سيارة محملة بالبصل في طريقها من السويس إلى الإسماعيلية الرابط الوحيد الذي أوصله إلى قفص الاتهام كان خط هاتف محمول مسجل باسمه استخدمه شخص آخر في التنسيق لعملية التهريب.
بدأت الحكاية بحسب رواية الأسرة والشاب نفسه عندما طلب منه صديق استخدام بطاقة الرقم القومي لاستخراج خط أو أكثر بحجة مساعدة أخته العاملة في أحد فروع شركة اتصالات على تحقيق التارجت الشهري وافق عمرو كغيره من آلاف الشباب الذين يسلمون بطاقاتهم بثقة أو تحت ضغط اجتماعي خفيف دون أن يتخيل أن هذه اللحظة العابرة ستحول حياته إلى كابوس قانوني الخط الذي سجل باسمه أصبح الدليل الوحيد الذي ربطه بالقضية بينما أكد المتهمون الآخرون أن التواصل كان مع شخص يدعى محمود.
ولم تكن هذه الواقعة استثناء معزولا بل كشفت عن ظاهرة أوسع وأكثر انتشارا مما يظن الكثيرون تسجيل خطوط الهاتف المحمول بأسماء مواطنين دون علمهم أو موافقتهم الحقيقية ومع تزايد الاعتماد على الهواتف في المعاملات المالية والحكومية والمحافظ الإلكترونية تحولت هذه الخطوط من مجرد أرقام إلى أدوات قد تستخدم في النصب والاحتيال والتهريب والابتزاز لتترك أصحاب البيانات المسجلة تحت طائلة الاشتباه أو الاتهام.
وتعود أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى مزيج معقد من السلوكيات الفردية والثغرات الإجرائية والضغوط التجارية في المقدمة يأتي تسليم بطاقات الرقم القومي للآخرين كثيرا ما يحدث ذلك تحت حجج تبدو بريئة مساعدة صديق أو قريب يعمل في منفذ بيع على تحقيق أهداف المبيعات أو استخراج خط إضافي لشخص يحتاج مساعدة هذه الممارسة رغم خطورتها ما زالت شائعة بسبب ضعف الوعي بمخاطرها فالقانون يحمل صاحب البيانات المسؤولية الأولية ويصبح عليه إثبات عدم صلته بالخط وبمن يستخدمه وهو أمر ليس سهلا دائما.
كما ساهمت إجراءات التسجيل الأقل صرامة خلال الفترة الماضية في تراكم خطوط قديمة مسجلة بأسماء أشخاص لم يعودوا يستخدمونها أو خطوط ألغيت ثم أعيد تفعيلها أو بيعها دون تحديث كاف للبيانات وفي بعض المنافذ أدت ضغوط تحقيق الأهداف البيعية إلى تجاوزات سواء بتسجيل خطوط بأسماء عملاء دون حضورهم الفعلي أو باستخدام بيانات مسربة أو حتى بتزوير توقيعات في حالات محدودة كما أن الطلب المستمر من قبل عناصر إجرامية على خطوط غير مرتبطة بمستخدم حقيقي يخلق سوقا سوداء لهذه الأرقام مما يغذي الظاهرة ويجعلها أكثر استدامة.
النتيجة أن مواطنا قد يكتشف فجأة عبر تطبيق أو زيارة فرع أن هناك خطوطا مسجلة باسمه لا يعرف عنها شيئا وقد تكون مرتبطة بمحافظ إلكترونية أو حسابات بنكية أو حتى أنشطة مشبوهة ومع ربط الخدمات الحكومية والمالية بالرقم القومي وخطوط الهاتف لم يعد الأمر مقتصرا على مكالمات عشوائية بل أصبح يمس الأمن الشخصي والمالي والقانوني للمواطن.
الخطر الأكبر لا يكمن فقط في إمكانية استخدام الخط في جريمة بل في القرينة القانونية التي تنشأ تلقائيا وجود خط مسجل بإسم شخص وارتباطه بواقعة جنائية يجعله مشتبها به أوليا ويضعه في موقف دفاعي صعب حتى لو ثبتت براءته لاحقا فإن الإجراءات القضائية والتحقيقات والتأثير النفسي والاجتماعي قد تستمر شهورا أو سنوات وفي حالات أخرى قد تستخدم هذه الخطوط في عمليات نصب إلكتروني أو ابتزاز أو فتح حسابات وهمية مما يعرض صاحب البيانات لخسائر مالية أو ملاحقات قضائية إضافية.
الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أدرك حجم المشكلة وكرر تحذيراته للمواطنين بضرورة المراجعة الدورية للخطوط المسجلة بأسمائهم ووفر أداة رسمية مجانية عبر تطبيق ماي إن تي آر إيه من خلال خدمة أرقامي تتيح لأي مواطن معرفة جميع الخطوط المسجلة برقمه القومي لدى شركات الاتصالات المختلفة خلال دقائق وفي حال تعذر استخدام التطبيق يمكن الاستعلام عبر فروع الشركات أو الرقم الموحد 155 مع الحق في طلب إلغاء أي خط غير معروف أو فصل بياناته عن الاسم.
ويعود السبب الرئيسي لانتشار ظاهرة تسجيل خطوط المحمول بأسماء أشخاص دون علمهم في مصر إلى مزيج من الثغرات الإجرائية السابقة، والاستغلال الشخصي للبيانات، وضغوط المبيعات في منافذ البيع، واستخدام هذه الخطوط في أنشطة غير مشروعة.
أبرز الأسباب المتداولة والموثقة تشمل:
1/ تسريب بيانات الرقم القومي وتسليم البطاقة الشخصية للآخرين
كثير من الحالات تحدث عندما يسلم المواطن بطاقته أو بياناتها لصديق أو قريب، بحجة 'مساعدة موظف في شركة اتصالات يحقق التارجت' أو استخراج خطوط إضافية.
في واقعة طالب الشرقية (عمرو عبد الحكيم) التي أثارت الموضوع بقوة في يونيو 2026، طلب صديق منه استخدام بطاقته لاستخراج خطوط، ثم استُخدمت هذه الخطوط لاحقاً في أنشطة تهريب مخدرات، وانتهى الأمر بحكم غيابي بالمؤبد على الطالب رغم أنه لم يستخدم الخطوط.
منح الرقم القومي لأي شخص لاستخراج خط يُعتبر خطأً جسيماً، لأن صاحب البيانات يتحمل المسؤولية القانونية الأولية حتى يثبت عدم صلته.
2/ إجراءات تسجيل غير دقيقة في فترات سابقة
في السنوات الماضية، كانت إجراءات تسجيل الخطوط أقل صرامة في بعض المنافذ، مما سمح بتسجيل خطوط بأسماء أشخاص دون حضورهم أو تحقق كافٍ من الهوية. كما حدثت حالات إعادة تفعيل أو إعادة بيع خطوط قديمة ملغاة بأسماء المالكين السابقين.
3/ استغلال من داخل المنافذ أو تسريب بيانات
هناك تقارير عن موظفين في منافذ البيع (أو وسطاء) يستغلون بيانات بطاقات أو يستخرجون خطوطاً بأسماء عملاء دون علمهم لتحقيق أهداف مبيعات. في بعض الحالات يُشتبه في تزوير توقيعات أو استخدام بيانات مسربة.
4/ الطلب على خطوط "مجهولة" للأنشطة الإجرامية
المجرمون (نصب إلكتروني، ابتزاز، تهريب، احتيال بنكي) يفضلون خطوطاً مسجلة بأسماء أشخاص آخرين للهروب من التتبع. هذا يخلق سوقاً لهذه الخطوط ويزيد من انتشار الظاهرة.