أوضح مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، أن التصنيع العالمي في عام 2026 يشهد تحولًا نوعيًا يعكس تداخل الضغوط الاقتصادية مع التطور التكنولوجي المتسارع وتغير أنماط الطلب الاستهلاكي، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل هيكل الإنتاج وأساليبه، ويتوازى ذلك مع تزايد التحديات المرتبطة بالتضخم وارتفاع تكاليف الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد بالتزامن مع توسع الاعتماد على التقنيات الرقمية والأنظمة الذكية كرافعة أساسية لتعزيز الكفاءة وتحسين الأداء، وفي ظل هذه المتغيرات ينتقل التصنيع من نموذج تقليدي إلى منظومة إنتاجية متكاملة قائمة على البيانات والاتصال الفوري، بما يعكس تحولًا نحو صناعة أكثر مرونة واستجابة لتعقيدات البيئة الاقتصادية العالمية.
اتجاهات التصنيع في عام 2026
جاء ذلك خلال أحد العروض البحثية التي تضمنها العدد الجديد من مجلة المركز الدورية 'آفاق صناعية' والتي تولي اهتمامًا خاصًا بالطروحات البحثية المعنية بتطوير القطاع الصناعي، وتعزيز التصنيع المحلي، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والارتقاء بالبنية الصناعية بما يخدم أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر المستقبلية، حيث أشار المركز خلالها إلى التقرير الصادر عن شركة منصة (Unleashed Software)، والذي تناول أبرز الاتجاهات التي تشكل قطاع التصنيع العالمي في عام 2026، حيث أظهرت البيانات أن نحو 92% من الشركات الصناعية ترى أن التصنيع الذكي يمثل العامل الرئيس لتعزيز القدرة التنافسية خلال السنوات المقبلة، ما يعكس تحولاً واضحًا نحو تبني أنظمة إنتاج متصلة رقميا تعتمد على البيانات في اتخاذ القرار، وفي المقابل يفرض هذا التحول تحديات مالية وتقنية حيث تتطلب هذه الأنظمة استثمارات كبيرة في البنية التحتية الرقمية.
في الوقت ذاته تواجه اختلافات حادة في سوق العمل نتيجة نقص العمالة الماهرة مما يدفع الشركات إلى تبني نماذج تشغيل أكثر مرونة تشمل إعادة تصميم الوظائف وتطوير مهارات القوى العاملة ما يؤدي إلى تسريع التحول نحو الأتمتة وتقليل الاعتماد على العمالة التقليدية مع التركيز على استقطاب الكفاءات الرقمية القادرة على التعامل مع الأنظمة الذكية، كما تُبرز هذه البيئة التفاعلية أيضًا هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، فقد أظهرت الأزمات الأخيرة (من جائحة 'كوفيد - 19' إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية والحرب الروسية الأوكرانية) فجوة واضحة بين العرض والطلب، مع ارتفاع معدلات التضخم العالمي بين الربع الثالث من عام 2020 وعام 2022 من 1.9% إلى 8.7% خلال فترة قصيرة نتيجة اختلالات الإنتاج والنقل، ومن ثم فهذا الواقع يدفع الشركات إلى تنويع مصادر التوريد والاعتماد بشكل أكبر على الموردين المحليين والإقليميين لتقليل المخاطر التشغيلية.
نموذج يوازن بين الكفاءة والمرونة والاستدامة
وأشار مركز المعلومات، أن هذه الاتجاهات مجتمعة تُعزز تحول الصناعة من نموذج قائم على الكفاءة فقط إلى نموذج يوازن بين الكفاءة والمرونة والاستدامة، حيث أصبح البقاء في السوق مرهونًا بالقدرة على التكيف السريع مع المتغيرات العالمية، يفرض هذا التحول إعادة تعريف مفهوم الإنتاج الصناعي، بحيث لا يقتصر على التصنيع التقليدي بل يمتد ليشمل منظومات رقمية متكاملة تدير العمليات بشكل لحظي، كذلك تؤدي هذه التحولات إلى إعادة توزيع مراكز القوة الصناعية عالميًا حيث تسعى الدول والشركات إلى بناء قدرات إنتاجية أكثر استقلالية خاصًة في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والغذاء والتكنولوجيا، ما يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو إعادة توطين الصناعات وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد العابرة للحدود وهو ما يعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية.
وتتداخل تلك التغيرات مع التحولات الرقمية مما يخلق بيئة صناعية جديدة تعتمد على التكامل بين التكنولوجيا والعمليات التشغيلية، حيث تصبح البيانات عنصرًا أساسيًا في اتخاذ القرار وتحسين الأداء.
ويدفع انتشار الذكاء الاصطناعي الشركات إلى الانتقال من أتمتة المهام البسيطة إلى استخدام أنظمة قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة، مثل تحديد نقاط إعادة الطلب بناء على بيانات فورية، ما يعزز الكفاءة التشغيلية، ويقلل من الأخطاء البشرية. ويمثل هذا التحول خطوة مهمة نحو إنشاء بيئات إنتاج ذاتية التحسين تعتمد على التحليل المستمر للبيانات.
إنترنت الأشياء
في هذا السياق، يعد إنترنت الأشياء من أبرز التقنيات التي تعيد تشكيل الصناعة، إذ يتيح ربط الآلات والمعدات بشبكات رقمية قادرة على جمع البيانات وتحليلها بشكل مستمر، الأمر الذي يسهم ذلك في تحسين عمليات الإنتاج، من خلال التنبؤ بالأعطال، وتحسين كفاءة التشغيل، وتقليل التكاليف المرتبطة بالصيانة، وتشير التقديرات في هذا الصدد إلى أن سوق إنترنت الأشياء في التصنيع من المرجح أن يصل إلى نحو 638 مليار دولار بحلول عام 2032، ما يعكس حجم التحول الجاري في هذا المجال.
في هذا السياق، تتجه الشركات بشكل متزايد إلى استخدام التوائم الرقمية وهي نماذج افتراضية لخطوط الإنتاج تتيح محاكاة العمليات وتحليل الأداء واختبار السيناريوهات قبل تطبيقها فعليًا، مما يعزز الكفاءة التشغيلية ويرفع مستوى الشفافية عبر المتابعة اللحظية وتحديد نقاط الضعف بدقة، وفي الوقت نفسه يبرز التصنيع بالإضافة أو الطباعة ثلاثية الأبعاد كابتكار محوري يتيح إنتاج السلع عند الطلب دون الاعتماد على سلاسل إمداد معقدة ما يقلل التكاليف ويزيد المرونة ويمتد استخدامه إلى تطبيقات متقدمة مثل القطاع الصحي بما في ذلك إمكانية تصنيع أعضاء صناعية باستخدام خلايا حية.
وأضاف مركز المعلومات، أن أهمية الأتمتة والروبوتات تتزايد في خطوط الإنتاج حيث يتم استخدامها لتنفيذ المهام المتكررة بدقة وكفاءة عالية، ما يقلل من الاعتماد على العمالة البشرية، وتشير البيانات إلى وجود أكثر من 4.28 ملايين روبوت صناعي يعمل في المصانع حول العالم حتى فبراير 2026، ما يعكس حجم الاعتماد المتزايد على هذه التكنولوجيا، كما تظهر أيضًا فئة جديدة من الروبوتات تعرف بالروبوتات التعاونية التي تعمل جنبًا إلى جنب مع البشر، ما يسمح بتحقيق تكامل بين القدرات البشرية والتكنولوجية، ما يساعد على تحسين الإنتاجية، حيث يتم توجيه العمال إلى مهام ذات قيمة مضافة أعلى، بينما تتولى الروبوتات المهام الروتينية.
من المتوقع أن يضطلع إنترنت الأشياء بدور محوري في تشكيل مستقبل التصنيع، إذ تُمكن التقنيات المتقدمة الآلات من التواصل وتبادل البيانات بما يعزز كفاءة العمليات الإنتاجية، وفي السياق ذاته يتزايد توظيف تقنيات مثل البلوك تشين والرموز غير القابلة للاستبدال داخل القطاع الصناعي، لما توفره من إمكانات لتحسين تتبع المنتجات وتعزيز الشفافية في المعاملات، الأمر الذي يسهم في الحد من الاحتيال ورفع كفاءة إدارة سلاسل الإمداد، لا سيما في الصناعات التي تتطلب مستويات عالية من التوثيق.
بناء أنظمة إنتاج مرنة وقابلة للتكيف
وتعزز هذه التقنيات مجتمعة قدرة الشركات على بناء أنظمة إنتاج مرنة وقابلة للتكيف؛ إذ يمكن تعديل العمليات بسرعة استجابة للتغيرات في الطلب أو الظروف الاقتصادية وتؤدي هذه التطورات إلى إعادة تعريف دور الإنسان في العملية الإنتاجية حيث يتحول من منفذ للمهام إلى مشرف على الأنظمة الذكية ما يتطلب تطوير مهارات جديدة تتناسب مع طبيعة العمل في العصر الرقمي.
وأوضح مركز المعلومات، من خلال العرض البحثي أن أهمية الاستدامة كعامل رئيسي في توجيه السياسات الصناعية تتصاعد فاليوم تواجه الشركات ضغوطًا متزايدة من الحكومات والمستثمرين والمستهلكين لتقليل الأثر البيئي لأنشطتها، وتبني ممارسات إنتاج أكثر استدامة تشمل استخدام الطاقة المتجددة، وتقليل الانبعاثات، وتطوير منتجات صديقة للبيئة، تتجلى هذه التحولات بوضوح في قطاع الصناعات الغذائية، مع تنامي اهتمام المستهلكين بالاعتبارات الصحية والبيئية، الأمر الذي يدفع الشركات إلى تعزيز شفافية سلاسل الإمداد والاعتماد على مكونات أكثر استدامة، وفي الوقت ذاته يسهم تزايد الطلب عبر المنصات الرقمية في إعادة تشكيل نماذج التوزيع، مع التركيز المتزايد على الخدمات.