لم تعد دول الخليج تتحرك ككتلة سياسية واحدة كما كان الحال خلال العقود الماضية، فالحرب المشتعلة في المنطقة، والتوتر الإيراني الإسرائيلي، والضغوط الاقتصادية العالمية، كشفت بوضوح أن كل دولة خليجية باتت تبحث عن مصالحها الخاصة أولًا، حتى لو تعارضت مع حسابات الحلفاء التقليديين داخل البيت الخليجي نفسه.
هل تصبح مصر بديلًا للأمن المستورد؟.. رسائل الخليج وإيران تكشف تحولات كبرى في المنطقة
وفي قلب هذا المشهد، برز التباين السعودي الإماراتي بوصفه الناتج الأوضح لصراع العروش الجديد في الخليج، بينما تحاول بقية العواصم الخليجية رسم سياسات أكثر حذرًا لتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تهدد اقتصاداتها واستقرارها الداخلي.
السعودية.. التنمية أولاً والتهدئة ثانياً
تدرك السعودية أن أي انفجار إقليمي واسع سيهدد بشكل مباشر مشروع «رؤية 2030» الذي يمثل المشروع السياسي والاقتصادي الأكبر في تاريخ المملكة الحديثة، والرؤية المستقبلية لاقتصاد غير نفطي.
فالرياض اليوم لا تفكر فقط بعقلية الدولة النفطية، بل بعقلية الدولة التي تريد التحول إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا، وهو ما يفسر تمسكها بخفض التوترات في المنطقة، ومحاولتها المستمرة لتجنب الانجرار إلى مواجهات عسكرية مفتوحة.
فالمملكة تعلم أن المستثمر الأجنبي لا يضع أمواله في منطقة مشتعلة، وأن أي اضطراب أمني واسع قد يعطل مشروعات عملاقة مثل 'نيوم' ويؤثر على خطط التنويع الاقتصادي التي تراهن عليها القيادة السعودية لبناء مرحلة ما بعد النفط.
لهذا تبدو السعودية أكثر ميلًا للتهدئة، وأكثر حرصًا على احتواء الصراعات، حتى عندما تتصاعد التوترات العسكرية حولها.
الإمارات.. سياسة النفوذ والمصالح
في المقابل، تبدو الإمارات أكثر تحركًا بمنطق النفوذ السياسي والاقتصادي العابر للحدود.
أبوظبي خلال السنوات الأخيرة بنت شبكة مصالح واسعة تمتد من الموانئ إلى الاستثمارات إلى النفوذ البحري والأمني، وأصبحت تتحرك وفق حسابات مستقلة إلى حد كبير عن المزاج الخليجي التقليدي.
فكان خروج الإمارات من بعض التفاهمات النفطية داخل «أوبك» و«أوبك+» أو خلافاتها غير المعلنة مع السعودية حول حصص الإنتاج والنفوذ الاقتصادي، كاشفاً أن مرحلة 'التطابق الكامل ' بين البلدين انتهت عمليًا، وأن العلاقة دخلت مرحلة المنافسة الهادئة، حتى لو بقي التحالف السياسي قائمًا في العلن.
الإمارات تريد الحفاظ على موقعها كمركز مالي وتجاري عالمي، دعمت وجوده وحافظت عليه فترة ليست بالهينة، لكنها في الوقت نفسه تسعى لتوسيع نفوذها الإقليمي، وهو ما يجعل أولوياتها أحيانًا مختلفة عن الأولويات السعودية.
«صراع العروش»..كيف فرّقت الحرب مصالح الحلفاء وفتحت الباب لعودة مصر؟
الخليج لم يعد جبهة واحدة
الحرب الأخيرة كشفت أيضًا أن بقية دول الخليج لم تتحرك من زاوية واحدة.
فقطر فضّلت سياسة التوازنات والوساطات والحفاظ على خطوط الاتصال مع الجميع، والكويت تمسكت بخطاب دبلوماسي تقليدي قائم على الحياد وتخفيف التصعيد، أما البحرين فبقيت الأقرب للموقف الأمني الخليجي التقليدي لكنها حرصت على عدم الانخراط المباشر.
فى حين أن سلطنة عمان اختارت أن تواصل لعب دور الوسيط الهادئ بين القوى المتصارعة.
هذا التباين فى السلوك لكل دولة داخل مجلس التعاون العربى، يؤكد أنه لم يعد يتحرك كجسم سياسي موحد وككيان بذاته، كما كان يُصوَّر سابقًا، بل أصبح إطارًا عامًا يجمع دولًا لكل منها أولوياتها الخاصة وحساباتها الأمنية والاقتصادية المختلفة.
عودة مصر إلى قلب المعادلة
وسط هذا المشهد المضطرب، برزت مصر مجددًا بوصفها «الركيزة العربية» الأكثر قدرة على إعادة التوازن للمنطقة.
التحركات المصرية الأخيرة لدعم أمن الخليج، حتى وإن كانت رمزية من الناحية العسكرية، حملت رسائل سياسية عميقة مفادها أن القاهرة ما تزال تعتبر أمن الخليج جزءًا من أمنها القومي.
واللافت أن هذه الرسائل لم تُقابل برفض إيراني كما كان يحدث في مراحل سابقة، بل جاءت تصريحات السفير الإيراني افي القاهرة المرحبة، لتلفت إلى قبول ضمنى، عندما أكد أن مشاركة مصر في حماية أمن الخليج أمر طبيعي، وأن طهران لا تعارض الدور المصري، بل تعتبره أفضل من «الأمن المستورد».
هذه التصريحات تحمل دلالات شديدة الأهمية، لأنها تعكس إدراكًا إقليميًا متزايدًا بأن وجود قوة عربية مركزية مثل مصر قد يكون أكثر استقرارًا للمنطقة من الاعتماد الكامل على القوى الأجنبية.
هل تصبح مصر بديلاً للأمن المستورد؟
لسنوات طويلة، اعتمدت دول الخليج على المظلة الأمنية الغربية، خصوصًا الأمريكية، لكن التطورات الأخيرة كشفت أن هذه الحماية ليست مطلقة، وأن المصالح الدولية تتغير بسرعة.
هنا تعود مصر لتطرح نفسها بوصفها الدولة العربية الوحيدة التي تمتلك جيشًا كبيرًا ومنظمًا، وثقلًا سياسيًا وتاريخيًا وقدرة على التحرك الإقليمي مع علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
ورغم أن القاهرة لا تسعى إلى الدخول في مغامرات عسكرية، ومشغولة دوماً بحفظ أمنها القومى فإن مجرد حضورها في معادلة الأمن الخليجي يمنح دول المنطقة شعورًا بوجود عمق عربي حقيقي يمكن الاعتماد عليه.
بل إنه يمكن القول بأن الحرب الأخيرة أعادت إحياء الحديث عن فكرة «القوة العربية المشتركة» باعتبارها ضرورة استراتيجية، لا مجرد شعار سياسي لا يمكن تنفيذه على الأرض .
مصر.. قلب الوطن العربي
التطورات الأخيرة أثبتت أن غياب مصر عن أي معادلة عربية يترك فراغًا كبيرًا يصعب تعويضه.
ففي اللحظات الحرجة، تعود القاهرة دائمًا لتكون نقطة التوازن، والدولة القادرة على التواصل مع الجميع دون أن تفقد هويتها العربية أو مصالحها القومية.
وربما كانت الرسالة الأهم التي كشفتها الحرب الحالية، أن المنطقة العربية لا يمكن أن تبنى فقط على التحالفات الاقتصادية أو الحسابات النفطية، بل تحتاج إلى مركز ثقل سياسي وعسكري وثقافي، وهو الدور الذي ظلت مصر تلعبه تاريخيًا، حتى في أصعب الظروف.
ولهذا، فإن «صراع العروش» الخليجي الحالي لا يتعلق فقط بالمنافسة بين العواصم الخليجية، بل يكشف أيضًا عن لحظة تاريخية تعيد رسم موازين القوى في المنطقة، وتفتح الباب أمام عودة الدور المصري بوصفه الضامن الأهم لفكرة الأمن العربي الجماعي للمنطقة.