ads
ads

عام من الإنجازات بعد التتويج العالمي.. إسنا ضمن أفضل 10 ممارسات للتجديد العمراني

إسنا
إسنا

بعد نحو عام من إعلان فوز مشروع إحياء إسنا التاريخية بجائزة الآغا خان للعمارة لعام 2025، وهو المشروع الذي قامت بتنفيذه مؤسسة تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار ومحافظة الأقصر، وبدعم من عدد من الجهات المانحة، تواصل مدينة إسنا بمحافظة الأقصر البناء على تجربة الإحياء من خلال سلسلة من المبادرات والمشروعات التي وسعت نطاق التجربة من الحفاظ على المباني والتراث العمراني إلى دعم الاقتصاد المحلي وتمكين المرأة والحرفيين وتطوير السياحة الثقافية وإعادة تقديم التراث الغذائي والمعماري باعتباره موردًا للتنمية المستدامة.

إسنا

وخلال هذا العام، حصلت تجربة إسنا على اعتراف دولي جديد باختيار مشروع إحياء إسنا التاريخية ضمن أفضل 10 ممارسات متميزة على مستوى العالم في الدورة الأولى من مبادرة الممارسات الدولية المتميزة في التجديد العمراني IOPUR، وهي مبادرة مشتركة تقودها الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية UN-Habitat وجامعة شنغهاي، بهدف رصد وتوثيق ونشر التجارب المتميزة في مجال التجديد العمراني والتنمية المستدامة.

ويضاف هذا الاختيار إلى جائزة الآغا خان للعمارة التي حصل عليها المشروع تقديرًا لمنهجه في إحياء المنطقة التاريخية المحيطة بمعبد خنوم، من خلال الجمع بين الحفاظ على التراث وتحسين البيئة العمرانية وتنشيط الاقتصاد المحلي وإشراك أبناء المجتمع في عملية التنمية.

وقال المهندس كريم إبراهيم، مدير مشروع «إحياء إسنا التاريخية»، إن مرور عام على الفوز بجائزة الآغا خان يمثل محطة مهمة في مسيرة المشروع، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن الجائزة لم تكن نهاية التجربة وإنما بداية لمرحلة جديدة من العمل.

وأوضح أن فلسفة المشروع منذ انطلاقه قامت على التعامل مع إسنا باعتبارها مدينة حية، وليس مجرد مجموعة من المباني الأثرية، ولذلك امتدت جهود الإحياء إلى السكان والأنشطة الاقتصادية والحرف التقليدية والسياحة والثقافة، بهدف خلق نموذج يمكن أن يستمر بعد انتهاء التدخلات المباشرة للمشروع.

وأضاف أن تجربة إسنا أثبتت أن التراث يمكن أن يتحول من عنصر يحتاج إلى الحماية إلى مورد قادر على خلق فرص اقتصادية وتحسين جودة الحياة، عندما تتم عملية الحفاظ عليه بالتوازي مع تمكين المجتمع المحلي وإشراكه في تحديد أولوياته وصناعة مستقبل مدينته.

إسنا تتحول إلى نموذج أكاديمي

ومن أبرز التطورات التي شهدتها تجربة إسنا خلال العام الماضي انتقالها إلى المجال الأكاديمي، بعدما تحولت إلى محور دراسة متخصصة في كلية الهندسة بجامعة عين شمس.

واختار طلاب ماجستير العمارة مشروع إحياء إسنا التاريخية نموذجًا رئيسيًا للتعلم والبحث ضمن مشروع تعليمي وبحثي بعنوان «إحياء المناطق والمدن التاريخية: في التعلم من مشروع إحياء إسنا التاريخية»، وذلك ضمن مقرر النظريات والتاريخ والنقد المعماري، بدعم فني من مؤسسة الآغا خان للثقافة وبالتعاون مع جائزة الآغا خان للعمارة.

واعتمدت الدراسة على تحليل وثائق المشروع ومراحله المختلفة، إلى جانب دراسة تقرير لجنة التحكيم الرئيسية لجائزة الآغا خان للعمارة لعام 2025، بهدف التعرف على العوامل التي جعلت تجربة إسنا نموذجًا جديرًا بالدراسة.

وخلصت أبحاث ومشروعات الطلاب إلى أن المشروع يمثل نموذجًا للإحياء العمراني القائم على المشاركة المجتمعية، من خلال الجمع بين الحفاظ على التراث وتنشيط الاقتصاد المحلي وتحسين جودة الحياة، مع الاعتماد على تدخلات عمرانية محدودة ذات تأثير واسع وإعادة توظيف المباني التاريخية بما يخدم المجتمع المحلي.

وركزت الدراسة على مفهوم «المدينة التاريخية الحية» في مواجهة نموذج «المتحف المجمد»، بما يعني الحفاظ على التراث مع استمرار استخدامه واندماجه في الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية للسكان.

ويعكس هذا التطور انتقال تجربة إسنا من مشروع محلي إلى تجربة يمكن دراستها وتقييمها والاستفادة منها في تطوير منهجيات إحياء المدن والمناطق التاريخية في مصر والمنطقة العربية.

تحويل التراث إلى فرص اقتصادية

واصلت تجربة إسنا خلال العام الماضي، التركيز على تحويل عناصر التراث المحلي إلى منتجات وخدمات قادرة على خلق فرص اقتصادية جديدة، وفي مقدمتها الحرف التقليدية والسياحة المجتمعية والتراث الغذائي.

ويأتي «أوكرا» مطبخ سيدات إسنا في مقدمة هذه التجارب، باعتباره أول مطبخ نسائي متخصص في تقديم الأكلات التراثية المحلية، تديره سيدات من المجتمع المحلي، ويقدم للزائرين تجربة تجمع بين الطعام والتعرف على الثقافة اليومية للمدينة.

تقول شيرين زغو، مسؤول المكون الثقافي بمشروع إحياء إسنا التاريخية، إن أوكرا لم يتوقف دوره عند تقديم الطعام، بل أصبح نموذجًا لتمكين المرأة وربط التراث الغذائي بالسياحة، وفتح مساحة أمام سيدات إسنا للمشاركة المباشرة في النشاط الاقتصادي المرتبط بالسياحة.

وفي خطوة جديدة لتعزيز استدامة التجربة، شهد «أوكرا» تنفيذ مشروع «مائدة إسنا: السياحة الشاملة والتمكين الاقتصادي للمرأة»، الذي تنفذه مؤسسة تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة بدعم من صندوق كندا للمبادرات المحلية.

ويستهدف المشروع تطوير قدرات الفريق النسائي وتحسين الجوانب المالية والتشغيلية للمطبخ وتوسيع حضوره الرقمي، إلى جانب تطوير تجارب سياحية تعتمد على السرد الثقافي والتراث الغذائي.

وفي إطار المشروع، شهدت إسنا توثيق جانب مهم من تراثها غير المادي من خلال إعداد كتاب باللغة الإنجليزية يضم وصفات من الأكلات التقليدية التي ارتبطت بتاريخ المدينة وحياة أسرها، إلى جانب أنواع من الخبز التقليدي مثل العيش الشمسي والمرحرح.

وأضافت زغو أن الكتاب لا يقتصر على تقديم وصفات الطعام، وإنما يعتمد على الذاكرة الشفوية لسيدات إسنا، ويقدم قصصًا وسياقات اجتماعية وثقافية مرتبطة بالطعام، بما يحول التراث الغذائي من معرفة تنتقل شفهيًا بين الأجيال إلى مادة موثقة يمكن تقديمها للزوار والباحثين والجمهور الدولي.

ويعكس المشروع رؤية أوسع للتعامل مع التراث غير المادي باعتباره موردًا اقتصاديًا وثقافيًا يمكن توظيفه في دعم السياحة وتمكين المرأة وتعزيز هوية المدينة.

وامتد الاهتمام بهذه التجربة إلى خارج إسنا، حيث شارك السفير الكندي في مصر أولريك شانون سيدات «أوكرا» إعداد طبق سخينة البط في أول أيام شهر رمضان، في مبادرة سلطت الضوء على المطبخ الإسناوي باعتباره أحد مكونات الهوية الثقافية للمدينة.

الحرف التقليدية.. من الذاكرة إلى فرص العمل

وواصل المشروع وفي مجال الحرف تنفيذ

برامج تدريبية تستهدف الحفاظ على المهارات التقليدية المرتبطة بالعمارة المحلية وتحويلها إلى فرص اقتصادية جديدة، ومن بينها برنامج «ورشة ومعرض الأعمال الخشبية بإدارة سيدات المجتمع المحلي – بإسنا».

تقول المهندسة نيفين عقل، مدير وحدة التصميمات بالمشروع، إن بعد الفوز بجائزة الآغا خان تم تنفيذ ورش متخصصة في حفر وتطعيم الأخشاب وتشكيل النحاس، بمشاركة 18 سيدة، بهدف نقل المهارات الحرفية إلى جيل جديد من أبناء المدينة وربطها بتصميم منتجات يمكن تطويرها وتسويقها مستقبلًا.

وتكتسب هذه الأنشطة أهمية خاصة في إسنا التي تتميز بعناصر خشبية تقليدية في شرفات وواجهات المباني التاريخية، إذ لا يقتصر الحفاظ على هذا التراث على ترميم العناصر الموجودة، وإنما يتطلب أيضًا الحفاظ على المعرفة والمهارات التي أنتجتها، كما استمر العمل على تطوير مهارات العاملين في مجال النجارة وفتح مسارات تدريبية جديدة أمام سكان إسنا، بما يدعم بناء قاعدة محلية من الحرفيين القادرين على المشاركة في أعمال الترميم وإنتاج منتجات مستوحاة من الهوية المحلية.

بيت فلفل.. أول نموذج للإقامة التراثية

ومن أبرز النماذج التي شهدها العام الماضي مشروع «بيت فلفل»، الذي يقدم تجربة جديدة لإعادة استخدام البيوت التراثية السكنية وتحويلها إلى وحدات إقامة تراثية.

ويعود تاريخ البيت إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وكان مغلقًا وغير مستخدم لسنوات، قبل أن يخضع لأعمال ترميم وإعادة تأهيل شاملة حافظت على عناصره المعمارية الأصلية، ومنها الشرفات الخشبية والأبواب والنوافذ والأرضيات التقليدية والرسومات اليدوية، مع إدخال الخدمات الحديثة اللازمة لتوفير تجربة إقامة مريحة.

واستندت أعمال الترميم إلى استخدام مواد وتقنيات تقليدية والاستعانة بحرفيين محليين، بما ساهم في نقل الخبرات وبناء قدرات يمكن الاستفادة منها في مشروعات مماثلة مستقبلًا.

ويقدم بيت فلفل نموذجًا عمليًا لفكرة أن المباني التراثية يمكن أن تتحول إلى أصول اقتصادية تحقق عائدًا لأصحابها، بدلًا من اعتبارها مباني قديمة يصعب استخدامها أو الحفاظ عليها.

كما يمثل المشروع إضافة إلى التجربة السياحية في إسنا، من خلال إتاحة الفرصة للزائر للإقامة داخل بيت تاريخي والتعرف على نمط الحياة المحلي، بدلًا من اقتصار الزيارة على المرور السريع بالمواقع الأثرية.

إسنا على خريطة السياحة الثقافية العالمية

وتزامنت هذه التطورات مع زيادة الاهتمام الدولي بإسنا كوجهة سياحية، حيث احتفى الدليل السياحي العالمي «لونلي بلانيت» بالمدينة، مسلطًا الضوء على معبد خنوم والسوق التاريخي والحرف المحلية والتجارب السياحية والمجتمعية التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.

وأبرز الدليل تجربة إسنا باعتبارها نموذجًا للسياحة الثقافية التي تجمع بين المواقع الأثرية والطبيعة والتراث العمراني والحرف والطعام والحياة اليومية للمجتمع المحلي، كما سلط الضوء على التجارب التي أتاحها مشروع إحياء إسنا التاريخية، ومنها تطوير وكالة الجداوي وتنظيم جولات المشي داخل المنطقة التاريخية والتعرف على تاريخ العائلات التي لعبت أدوارًا مهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، إلى جانب تجربة أوكرا وغيرها من المبادرات التي تقودها سيدات من المجتمع المحلي.

ويمثل هذا الاهتمام الدولي تحولًا مهمًا في صورة إسنا كوجهة سياحية، بحيث لا يعود المعبد الأثري هو المنتج الوحيد للزيارة، وإنما تصبح المدينة نفسها جزءًا من التجربة.

وبعد نحو عام من الفوز بجائزة الآغا خان، تتسع تجربة إسنا لتشمل مسارات متعددة تتكامل فيما بينها؛ فترميم المباني يتصل بالحرف، والحرف ترتبط بالاقتصاد المحلي، والطعام يتحول إلى تجربة سياحية، والبيوت التاريخية تتحول إلى أماكن إقامة، والمجتمع المحلي يصبح شريكًا في تقديم التجربة للزائر.

وبالتوازي مع هذه المبادرات، تتواصل جهود تطوير البيئة العمرانية والسياحية في إسنا، بما في ذلك مشروعات تستهدف تحسين المنطقة المحيطة بالمركز التاريخي وتعزيز مقومات المدينة كوجهة للسياحة الثقافية.

ويؤكد المهندس كريم إبراهيم أن المرحلة المقبلة تستهدف الحفاظ على الزخم الذي حققته إسنا، وتوسيع نطاق الاستفادة من تجربة الإحياء، مع التركيز على استدامة المشروعات الاقتصادية التي نشأت حول التراث وتعزيز قدرة المجتمع المحلي على إدارتها وتطويرها.

وبعد نحو عام من جائزة الآغا خان، لم تعد قصة إسنا مرتبطة فقط بترميم مبانٍ تاريخية أو الحصول على جائزة عالمية، وإنما أصبحت تجربة متكاملة لإعادة تعريف العلاقة بين التراث والتنمية.

ففي إسنا، لم يعد التراث مجرد ماضٍ تجب حمايته، وإنما مورد حي يمكن أن يصنع فرص عمل، ويدعم النساء، ويحفز السياحة، ويحافظ على الحرف والذاكرة الشعبية، ويعيد للسكان دورهم في صناعة مستقبل مدينتهم.

ومن جائزة الآغا خان إلى الاعتراف الدولي الجديد، ومن الدراسة الأكاديمية إلى «أوكرا» و«مائدة إسنا» وورش الحرف و«بيت فلفل»، تواصل إسنا تقديم تجربة تؤكد أن أفضل وسيلة للحفاظ على المدينة التاريخية قد تكون في إعادة الحياة إليها، لا في عزلها عن الحياة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
مراسم استقبال رسمية للرئيس الصيني بقصر الاتحادية