ads
ads

أحمد عبد العزيز يكتب: حين يكلّمك الله في أشد لحظات ضعفك

أحمد عبد العزيز
أحمد عبد العزيز

في أكثر أيام حياتي ثقلًا، كان الخوف من العجز يمزق قلبي ويطحن عقلي في عنف بالغ، على أثر إصابة أمي بجلطة في المخ، استلزمت بقاءها في الرعاية المركزة.

وكان مبعث الشعور بالعجز هو أن اليوم الواحد في تلك الغرفة، التي تعج بالأجهزة الطبية الفائقة، لا يقل عن 7 آلاف جنيه.

وعلى مدار 26 يومًا قضتها أمي تحت وطأة شلل نصفي وغياب شبه تام عن الوعي، قبل أن يتوفاها الله، لم أذق للنوم طعمًا، وأصبح رأسي نهبًا لسؤال كبير، لا يفارقني دقيقة من ليل أو نهار: كيف يمكن أن أتدبر مثل هذا المبلغ اليومي الضخم ـ بل بالغ الضخامة على أمثالي ـ ولو استطعت أن أتحصل عليه يومًا، فماذا عن اليوم التالي مباشرة؟!

وفي الحقيقة لم يكن هذا هو السؤال الوحيد، بل لحقت به عشرات الأسئلة الأخرى، وكان أخطرها ماذا لو نفدت النقود وعجزت عن الاستمرار؟

وفي ليلة أذكرها جيدًا جدًا، عدت إلى البيت بعد أن زرت أمي، وسددت فاتورة المستشفى، التي تجاوزت في ذلك اليوم 13 ألف جنيه، لأجد نفسي أمام حقيقة واحدة وهي أني لا أملك سوى مئتي جنيه لا غير.

وقضيت تلك الليلة أتقلب في الفراش أسأل نفسي ماذا سأفعل غدًا حينما يحين موعد الزيارة، وتطالبني حسابات المستشفى بمبلغ آخر من ذوي الأصفار الثلاثة.

وعندما أيقنت أنني لن أستطيع النوم لجأت إلى الهاتف أقلب في فيسبوك، وما هي إلا دقائق قليلة لأجد نفسي أمام "ريل" يخرج منه صوت شجي يشدو قائلا:

يا صاحب الهم إن الهم منفرج

أبشر بخير فإن الفارج اللــــــه

هل يمكن أن تكون هذه رسالة من الله تطمئنني؟.. نعم ولم لا!

هدأت قليلًا مع هذا الخاطر، خاصة بعدما دخلت زوجتي عليّ غرفتي لتقول لي: هل سمعت، إنها رسالة من الله، وكأنها كانت تقرأ ما دار في ذهني!

ولأن النوم سلطان فقد غلبني بعد صلاة الفجر بقليل، ولعدة ساعات، لأستيقظ على موعد الزيارة الجديد، وخرجت بما معي ـ الـ200 جنيه ـ ولا أعلم ماذا سأفعل عندما أصل المستشفى.

ولشعورها بما أعانيه أصرت زوجتي أن تذهب معي، وبالفعل وصلنا إلى مترو الأنفاق لنستقل قطاره من محطة البحوث إلى حيث أقرب محطة للمستشفى.

وما أن وضعت قدميّ داخل عربة المترو، التي كانت فارغة، حيث كنا في يوم الجمعة، لأجد مكانًا نجلس فيه أنا، وزوجتي عن يميني، وإلى يساري رجل يقترب مني في العمر، وما أن تحرك المترو حتى رن هاتف هذا الرجل، ليعلو الجرس بنغمة تقول بصوت هادئ رخيم:

يا صاحب الهم إن الهم منفرج

أبشر بخير فإن الفارج اللـــــــه

شدّت زوجتي على يدي، وقالت لي: الرسالة مرة أخرى، فقلت لها سبحان الله وبحمده، ربنا كريم وفضله واسع.

هذه المرة أيقنت أن ما يجري ليس صدفة، وأن أمرًا ما يريد الله سبحانه وتعالى أن يجعلني أدركه لا محالة، ولكن هل يمكن حقًا أن يحدث شيء، وأنا سأغادر في المحطة المقبلة، لأسير بضعة أمتار فقط، ثم أجد نفسي أمام المستشفى.. وللحقيقة لم أجد إجابة.

غادرت المترو وعقلي يدور، وتدور معه نفسي من الداخل بعنف شديد، ربما لم أعهده من قبل.

ماذا سأقول لهم في المستشفى، وما رد فعلهم على والدتي، التي لا حول لها ولا قوة، وهل يمكن أن يمنعوا عنها العلاج مثلًا؟

وعلى بعد خطوات قليلة من المستشفى رن هاتفي أنا هذه المرة، لأجد على الطرف الآخر أحد أقاربي ـ بارك الله فيه ـ يسألني عن الأحوال، وإلى أين وصلت حالة أمي، فأخبرته بوضعها الطبي، ولم أذكر شيئًا عن الوضع المالي، ولا أدري لماذا، ربما لأني كنت أشعر بأن المطلوب فوق قدرة أي شخص على المساعدة بمفرده.

وقبل أن تنتهي المكالمة وجدته يخبرني بأنه سيرسل ليه عبر حسابي على إنستا باي مبلغًا، لم يذكر كم، لكنه أكد لي أنه سيرسله فورًا، وبالطبع شكرته ورفضت أن يجهد نفسه ماليًا، لكنه أصر.

انتهت المكالمة، ووقفت في مكاني أسدد نظرات ملهوفة إلى هاتفي، وزوجتي تترقب متفحصة ملامحي ليتجمد الموقف دقيقتين تقريبًا، وبعدهما وصلت رسالة: "أضيف تحويل لحظي إلى بطاقتكم مسبقة الدفع بمبلغ........"، وكان هذا المبلغ ثلاثة أضعاف ما أحتاجه في تلك اللحظة، إي ورب الكعبة هذا ما حدث!

وهنا تبدّل الإحساس بالعجز إلى شعور بالتسليم، وأدركت أن خوفي من نفاد المال كان أكبر من ثقتي في رزق الله، وأنني كنت أحمّل نفسي عبئًا لم يُطلب مني تحمله، وأن من ينزل البلاء يرسل معه اللطف، وأنه حقًا وصدقًا "إن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا".

في تلك اللحظات فهمت معنى أن تأتيك رسالة وأنت في قاع الضعف، ليست رسالة بمعجزة تغير الظروف فورًا، بل وعدًا بألا تنكسر أمام ما تمر به، وبأن الله حاضر لا يغيب، يسمع ارتباكك قبل دعائك، ويرى خوفك قبل أن تنطق به.

ربما يراها البعض مجرد مصادفة سمعية، وربما يفسرها آخرون بطريقة عقلانية بحتة، لكنني عشتها كرسالة جاءتني لتقول لي: لا تجعل حساباتك المادية تطغى على يقينك بربك.

وتواصلت رحلة أمي مع الغيبوبة والشلل بعد هذا اليوم، ولمدة 10 أيام أخرى، لكني كنت قد تخلصت من ذلك الشعور بالعجز والخوف، وصرت أكثر ثباتًا، وقوة، ويقينًا بأن ربي أقرب إليّ من حبل الوريد، وبأنه لم ولن يتركني، وربما كان لهذا الموقف أثر بالغ في تقبلي ورضائي عندما تلقيت نبأ الوفاة.

ومنذ ذلك اليوم، بتُّ أدرك أن الطمأنينة لا تأتي من رصيد البنك، وإنما من حجم الثقة بالله.

يا صاحب الهم إن الهم منفرج

أبشر بخير فإن الفارج اللـــــــه

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً