يُقاس معدن الرجال في لحظات الشدة، لا في أوقات الهدوء، وفي قلب الجماعة الصحفية، حيث تتقاطع الضغوط المهنية مع الهواجس الإنسانية، يبرز اسم الدكتور حماد الرمحي، عضو مجلس إدارة صندوق التكافل بنقابة الصحفيين، وعضو لجنة الصحف بالمجلس الأعلى للإعلام، بوصفه أحد النماذج التي أعادت تعريف العمل النقابي باعتباره رسالة قبل أن يكون موقعًا.
في المشهد الصحفي، هناك من يصنع حضوره عبر الأضواء، وهناك من يصنع أثره في الظل و«الرمحي» ينتمي بوضوح إلى الفئة الثانية، أولئك الذين يشكّلون «الأعمدة» الحقيقية التي يستند إليها البناء حين تهب العواصف، لم يختر أن يكون في صدارة المشهد، بل اختار أن يكون في عمقه، حيث تُصنع الفوارق الحقيقية.
ينتمي الدكتور حماد الرمحي إلى مدرسة نقابية ترى في العمل العام «عقدًا أخلاقيًا» يقوم على الثقة، ويُختبر في لحظات الاحتياج لا في أوقات الوفرة.
الدكتور حماد الرمحيوما يميز هذه التجربة ليس فقط الالتزام، بل «المبادرة»، فالرمحي لا ينتظر طرق الأبواب، بل يسبق إليها دائماً، يمتلك حسًا مهنيًا وإنسانيًا يجعله يلتقط إشارات الأزمات في بداياتها، فيتحرك بهدوء وفاعلية، كأنما يعالج شأنًا شخصيًا لا قضية عامة.
هذه القدرة على الاستباق تحوّلت مع الوقت إلى سمة راسخة، جعلت كثيرًا من الأزمات تُحل قبل أن تتحول إلى شكاوى.
وفي زمن تراجعت فيه فكرة «الصحافة القدوة»، يعيد الرمحي التذكير بجوهر المهنة كمنظومة قيم، لا مجرد ممارسات، فلم يكتفِ بأن يكون قريبًا من الزملاء في أوقات الضيق، بل تحوّل إلى «بوصلة أمان» يسترشد بها كثيرون في لحظات الالتباس المهني والإنساني.
الإخلاص هنا ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل منهج عمل واضح المعالم في حياته، فقد نجح في نقل العمل النقابي من كونه إطارًا إداريًا جامدًا إلى كيان حيّ يتفاعل مع احتياجات أعضائه.
ومن خلال هذا التحول، أصبح «الوفاء للمهنة» ممارسة يومية، لا شعارًا يُرفع في المناسبات.
اللافت في شخصية «الرمحي» أنه لا يضع حواجز بينه وبين الأجيال الجديدة من الصحفيين، ويدرك أن المهنة، في جوهرها، مهنة «كرامة»، لذلك يتعامل مع الزملاء بمنطق الحقوق لا منطق المنح، ويحرص على أن يشعر كل من يتعامل معه أن ما يحصل عليه هو استحقاق مهني وإنساني، لا تفضّل شخصي.
هذا التوازن بين الصرامة المهنية والبعد الإنساني هو ما منحه القدرة على التعامل مع الأزمات المركبة، فهو يعرف حدود اللوائح، لكنه لا يختبئ خلفها، ويدرك تعقيدات الواقع، لكنه لا يستسلم لها، لذلك كان حضوره في الأزمات أشبه بـ«عامل توازن» يعيد ترتيب المشهد دون ضجيج.
وفي عالم صحفي يتسم بالتنافس الحاد وتداخل المصالح، يصبح الإخلاص عملة نادرة، غير أن الرمحي لا يتعامل معه كعبء، بل كجزء من تكوينه الشخصي، فهو لا ينتظر أن يُطلب منه الدعم، بل يقدّمه بوصفه واجبًا بديهيًا، وكأن وظيفته الأولى هي أن يكون حاضرًا حيث تغيب الحلول.
وقد نجح، عبر هذه الرؤية، في إعادة صياغة مفهوم العمل النقابي، فلم يعد الصحفي مضطرًا للبحث عن «مراكز القوة» للحصول على حقه، بل أصبح يرى في الخدمة ذاتها مصدرًا للقوة.
إنها فلسفة تقوم على أن قوة النقابة تُقاس بقدرتها على حماية أعضائها في لحظات ضعفهم، لا فقط بتمثيلهم في لحظات قوتهم.
ما يقدمه الرمحي يتجاوز حدود الأداء الوظيفي إلى مستوى «الالتزام الإنساني» فهو يتعامل مع كل أزمة باعتبارها قصة حياة، لا مجرد ملف، ومع كل شكوى باعتبارها انعكاسًا لواقع اجتماعي ومهني معقد، لذلك يتحرك بإصرار لافت، مدفوعًا بقناعة راسخة بأن الدفاع عن الزميل ليس خيارًا، بل مسؤولية.
هذه المقاربة جعلت منه نموذجًا خاصًا داخل الوسط الصحفي، نموذجًا يجمع بين «نبل الغاية» و«شرف الوسيلة»، والعطاء لديه ليس استثناءً، بل قاعدة، والإخلاص ليس ظرفًا، بل ثباتًا.
إن التجربة التي يمثلها الدكتور حماد الرمحي تطرح سؤالًا جوهريًا حول معنى الزمالة في الصحافة، وهي، في جوهرها، إجابة عملية تقول إن الصحفي الحقيقي لا يقف عند حدود قلمه، بل يمتد دوره ليحمل هموم جماعته، ويسعى إلى حلها بإخلاص وتجرد.
إوفي هذا السياق، لا يبدو الاحتفاء به احتفاءً بشخص، بقدر ما هو تقدير لقيمة، قيمة تُعيد التوازن إلى مهنة تواجه تحديات متزايدة، وتؤكد أن جوهر الصحافة سيظل قائمًا على التضامن الإنساني بقدر ما يقوم على المهنية.سيبقى حماد الرمحي في ذاكرة الجماعة الصحفية نموذجًا لذلك «الركن» الذي يُلجأ إليه عند الضيق، و«المصدر» الذي يمنح الطمأنينة حين تتراجع الثقة، وهي مكانة لا تُمنح بقرار، بل تُكتسب بتراكم المواقف.
وأخيراً.. نحن لا نتحدث عن اسم أو منصب، بل عن «أثر»، والأثر الحقيقي هو ما يبقى حين تتغير المواقع، وما يقدمه الرمحي يؤكد أن البقاء ليس لمن امتلك السلطة، بل لمن منح الآخرين أسباب الحياة والبقاء والصمود.