في توقيت يئن فيه الاقتصاد تحت ضغط نقص العملة الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة، يبدو الإعلان عن مشروع عقاري جديد فاخر كأنه إجابة عن سؤال لم يطرحه أحد، فبينما تنتظر قطاعات الإنتاج دفعة حقيقية، تعود البوصلة مرة أخرى إلى البناء، كأن الحل الدائم لأي أزمة هو صبّ المزيد من الخرسانة!
المشكلة هنا ليست في الاستثمار العقاري كفكرة، بل في توقيته وأولويته وطبيعته. مصر اليوم ليست في عجزٍ من المدن الجديدة، ولا في نقص من الكمباوندات المغلقة، ولا حتى في قلة من الوحدات الفاخرة.
بالعكس، لدينا وفرة واضحة في المعروض العقاري "الراكد"، وحدات تُشترى ولا تُسكن، وتُحجز ولا تُستخدم، فقط هي وسيلة لحفظ القيمة في ظل تضخم متصاعد.
هذه الظاهرة التي يمكن وصفها بـ”تسقيع العقارات”، تعني ببساطة أن رأس المال يُحبس في أصولٍ غير منتجة، وحين يصل سعر شقة بمساحة 68 مترًا إلى 16 مليون جنيه، يصبح السؤال مشروعًا وهو: من المواطن الذي يُخاطبه هذا المشروع؟ وهل هذه الأرقام تعكس واقع الدخل المصري؟
الإجابة واضحة، وهي أن هذه المشروعات لا تستهدف الغالبية، بل شريحةً محدودة جدًا لديها بالفعل خيارات متعددة في سوق متخمة بالبدائل، أما المواطن متوسط أو محدود الدخل فهو خارج المعادلة بالكامل.
في المقابل، ماذا عن الاقتصاد الحقيقي؟ وماذا عن المصانع المتوقفة؟ وماذا عن الشباب الباحث عن فرصة عمل مستقرة بدلًا من وظائف التسويق العقاري المؤقتة، التي تعتمد على الاتصال بالناس ليل نهار لإقناعهم بشراء ما لا يحتاجونه، وما لا يقدرون عليه؟ هذه ليست دورة اقتصادية صحيّة، بل حلقة مفرغة من إعادة تدوير الأموال داخل قطاع غير منتج.
الدول لا تُقاس بعدد الأبراج التي تبنيها، بل بما تنتجه، ومصر بحجمها السكاني الذي يتجاوز 120 مليون نسمة، تمتلك سوقًا داخليةً هائلة، وقادرة على دعم صناعات كبرى، إذا توفرت الإرادة.
نحن بحاجة إلى توطين صناعات حقيقية، مثل: السيارات، والكيماويات، ومواد البناء المتطورة، والتكنولوجيا، والدواء، فهذه القطاعات وحدها القادرة على خلق قيمة مضافة، وتوفير وظائف مستدامة، وتحقيق صادرات تجلب العملة الصعبة.
الاستثمار العقاري، بصيغته الحالية، لا يحقق هذه الأهداف، إنه يخلق نشاطًا اقتصاديًا مؤقتًا، يعتمد على البناء ثم البيع، دون دورة إنتاجٍ مستمرة، بل إن الإفراط فيه قد يسحب السيولة من قطاعات أكثر احتياجًا، ويُعمّق اختلال هيكل الاقتصاد.
ثم تأتي المفارقة، وهي الدولة نفسها التي تُسوّق لمشروعات سكنية جديدة، تمتلك بالفعل مدنًا حديثة تعاني من ضعف الإشغال، نعم مدن كاملة بمرافق جاهزة، لكنها لم تتحول إلى مجتمعات حية.. لماذا؟ لأن المسألة ليست في البناء، بل في القدرة على السكن والعمل معًا، فلا يمكن فصل العمران عن الاقتصاد الإنتاجي.
وفي ظل أزمة اقتصادية عالمية، وارتفاع تكلفة التمويل، وتحديات العملة، يصبح من الضروري إعادة ترتيب الأولويات.
هل الأولوية اليوم لبناء مدينة سكنية ذكية جديدة؟ أم لبناء قاعدة صناعية ذكية قادرة على المنافسة؟
الإجابة، إذا أردنا الصراحة، أن مصر لا تحتاج إلى المزيد من الوحدات الفاخرة، بقدر ما تحتاج إلى مصانع تعمل، ومهارات تُكتسب، ومنتجات تُصدّر.
مصر تحتاج إلى اقتصاد يُنتج، لا اقتصاد يبيع نفسه لنفسه.
الرهان الحقيقي ليس على ما نبني، بل على ما ننتج.