هل تحولت نظريات المسئولية الاجتماعية ومبادئها الأخلاقية إلى مثاليات غير قابلة للتطبيق إلا بالمدينة الفاضلة؟!، ومن ثم الحاجة الملحة لإعادة صياغة هذه النظريات، بما يتسق مع واقع التطبيق العملي؛ سواء كان مجالًا إعلاميًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا..الخ، أم أن المشكلة كامنة في ضرورة تحديث وتجديد الرؤي النظرية، وتقديم اتجاه بحثي معارض لهذا الخط الفكري المثالي؛ على نحو مناسب؛ يواكب الاتجاه العام في المجتمع؛ دون أن يتعارض مع القيم والمعايير العلمية والأخلاقية.
فبينما تتسم استراتيجيات المسئولية الاجتماعية للشركات بملامح المصداقية والشفافية، التي تكفل كفاءة وفاعلية نتائج هذه المبادرات، وقابليتها للاستدامة البيئية والاقتصادية؛ بما يتماشى مع احتياجات المواطن، التي من المفترض أن تمثل البوصلة الرئيسية؛ لتوجيه مؤشرات هذه البرامج التنموية؛ إلا أن هذه الفلسفة الأخلاقية؛ مازالت حلمًا مأمولًا ضل طريقه، ولم يجد تربةً صالحةً أو بيئة خصبه لنموه، واستقراره.
ذلك لأن الوجه الدعائي القبيح هو الغالب على معظم برامج المسئولية الاجتماعية التي توظفها عديد الشركات الإنتاجية والخدمية؛ كذريعة دعائية- بل وأحيانًا سياسية- لزيادة قوتها ونفوذها، وفرض هيمنتها على القضايا الاجتماعية والمسائل الاقتصادية؛ كعقد تحالفات استثمارية مع جماعات الضغط تارة، وأصحاب المصالح تارة أخرى، أو- على الأقل- تجنب بطشهم، ودرء ضغوطهم؛ اتساقًا مع ميكيافلية الغاية تبرر الوسيلة.
و قد تتخذ بعض المنظمات من هذه المبادرات وسيلةً للدعاية الزائفة، والانتهازية الاجتماعية الجوفاء، التي تغلب المصلحة الذاتية للشركة على المصلحة العامة للمجتمع، لاسيما مع عدم الاستقلالية التامة للمنظمات ببعض الدول وتبعيتها للحكومة، وهو ما يفرض عليها اتساق وارتباط برامج مسئولياتها الاجتماعية مع الاستراتيجية الحكومية، ومن ثم تغليب بعض المبادرات، ومنحها أولوية خاصة على حساب الأنشطة الموجهة نحو الموظفين والعملاء.
إن الإشكالية إذن؛ تكمن بوضوح في كيفية صياغة تخطيط استراتيجي متكامل لبرامج المسئولية الاجتماعية يرتكز على مبادئ نزاهة العلاقات مع العملاء، والاستثمار في المورد البشري، والحفاظ على المبادئ الأخلاقية واحترام القانون، وتعزيز مفهوم الكرامة الإنسانية لكل من المواطن والموظف والمستهلك، بشكل أخلاقي وقانوني خالص، حتى وإن تعارضت هذه الأنشطة مع اتجاهاتهم الاستثمارية، ومعتقداتهم الأيديولوجية والفكرية.
أما رفض هذا الواقع الدعائي القائم على الوهم والخداع على حساب المبدأ؛ فيتطلب ضربًا فكريًا واتجاها مجتمعيًا مثاليًا في هذا الصراع الإنساني الأبدي بين الخير والشر.. بين العدل والظلم.. بين الصالح والطالح.
يقول تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم
"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿7﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿8﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿9﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴿10﴾"
صدق الله العظيم