نعيش اليوم في عصر يفيض بالصخب، وتتسارع فيه الخطى بشكل لم تعرفه البشرية من قبل. إنها الأيام التي تزاحم بعضها بعضاً، حيث يصحو المرء منا لينخرط في مفرمة الحياة اليومية، مستغرقاً في تفاصيل العيش واللهاث وراء الماديات التي أصبحت المقياس الأوحد – زيفاً – لقيمة الإنسان. وفي هذا الركام المتراكم من الطموحات المادية والركض المتواصل الذي لا ينتهي، جفت الكثير من الينابيع الروحية، وتحولت العلاقات الإنسانية إلى ما يشبه الآلات الصامتة التي تتحرك بوقود المنفعة المتبادلة والمنطق الرقمي الجاف.
في وسط هذا الضجيج العارم الذي يكاد يصم الآذان ويغشي الأبصار، غدت رؤية النفس الإنسانية الصافية عملة نادرة، بل أعجوبة من أعاجيب زماننا. إنك قد تسير في الشوارع المزدحمة وتلتقي بآلاف الوجوه العابرة، لكنه من قبيل الندرة الشديدة والتوفيق المحض أن تصطدم بإنسان يجبرك على التوقف. إنسان يملك من المغناطيسية الروحية ما يجعلك تفرمل خطواتك المتسارعة وتتأمل حاله، ليس لثراء يملكه أو لمنصب يتقلده، بل لشيء أعمق من ذلك بكثير.. شيء يخص جوهره الإنساني النقي.
هذا الشاب الاستثنائي يقدم لك، دون قصد منه، درساً حياً في الاتساق النفسي. إنك تلمح فيه تصالحاً مدهشاً وعميقاً بين ظاهره وباطنه؛ فلا زيف يغطيه، ولا أقنعة يرتديها ليجاري بها تلون المجتمع. ما تراه في عينيه وفي نبرة صوته هو ذاته ما ينطوي عليه قلبه. إنه يمثل تلك الحالة النادرة من صفاء السريرة، حيث تلتقي النية الطيبة بالعمل الصالح، وحيث لا تجد فجوة بين ما يعلنه للناس وبين ما يضمره في وجدانه، وهو أمر لو تعلمون في هذا الزمن عزيز.
والأجمل من ذلك كله، أنك تكتشف في هذا الشاب توافقاً عجيباً بين الكلمة التي اختيرت له لتكون علماً واسماً يعرف به، وبين الحقيقة الملموسة التي يترجمها بسلوكه اليومي وهو يمشي بين الناس. وكأن الاسم لم يكن مجرد مصادفة في شهادة ميلاد، بل كان نبوءة مبكرة صاغت ملامح شخصيته. إن فضائله لا تقف عند حدود المأثورات أو الكلمات المكتوبة، بل هي كائن حي يتحرك، يراه الناس في شهامته، ويلمسونه في نبل تعامله، لتصبح حياته بأسرها تجسيداً حياً لمعنى حقيقي وصادق يسعى بين البشر في تواضع وثقة.
مؤخراً، أتيحت لي فرصة التقاء شاب في مقتبل العقد الثالث من عمره، وكان هذا اللقاء بمثابة كشف حقيقي وممتع. في ملامح هذا الشاب العشرينية، وفي نظرته المتطلعة نحو المستقبل، رأيت تجسيداً حياً لجيل جديد لطالما انتظرناه؛ جيل لا يكتفي بمقاعد المتفرجين، بل يحمل فوق كتفيه طموح أمة بأسرها. إن وجود مثل هؤلاء الشباب يعيد إلينا – نحن الذين عركتنا الأيام – تلك الثقة الغالية التي كادت تهتز، الثقة في أن تراب هذا البلد طيب، وأنه أرض ولّادة لا تكف عن إنجاب المعادن الإنسانية الأصيلة التي تزداد بريقاً كلما اشتدت عليها السبائك والمحن.
هذا الشاب يحمل اسماً مألوفاً تردده الشفاه كل يوم: «إسلام». ولأول وهلة، ولأننا نعيش في عصر يميل إلى السطحية، قد يظن العابر أن الأمر لا يتعدى مجرد اسم عادي، اختاره له والداه في لحظة عاطفة عفوية كما يحدث لآلاف الأسماء التي تولد وتموت دون أثر. تظن أنه مجرد لافتة لغوية للتعريف الصامت، مجرد هجاء يثبت في الأوراق الرسمية لينتهي عنده الفضول.
لكن المحك الحقيقي ليس في لافتات الأسماء، بل في اختبار الجواهر. ما إن تقترب من هذا الشاب، وما إن تضعك الظروف في دائرته وتتعامل معه عن قرب، حتى يسقط هذا الظن العابر تماماً. تكتشف على الفور، ومنذ الحوار الأول، أنك لست أمام اسم مجرد، بل أمام حقيقة مجسدة؛ تكتشف أنه «اسم على مسمى» بكل ما تحمله هذه العبارة القديمة من دلالة عميقة وأبعاد إنسانية وجدانية. فالقيم التي يحملها الاسم من سلام ونبل ونقاء، تجدها تفيض من سلوكه اليومي وتصرفاته، لتدرك أن الاسم هنا لم يكن اختياراً عشوائياً، بل كان صياغة مبكرة لقدر هذا الشاب ومعدنه.
هذا الشاب الذي يخطو اليوم بثقة في عقد حياته الثالث، ينتمي إلى تلك الفئة من البشر الذين لم يجدوا في انتظارهم مهدًا ممهدًا، ولم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب أو فضة. لم تفرش له المقادير طريق النجاح بالورود والرياحين، ولم تفتح له الأبواب المغلقة بضربة حظ أو بميراث عائلي مريح. بل على العكس من ذلك تمامًا؛ لقد استقبلته الحياة بوجهها الخشن الصارم، ووضعته الأيام منذ خطوته الأولى في مواجهة اختبارات صعبة، فما انحنى أمام عواصفها ولا استسلم لقلة ذات اليد، بل أدرك مبكرًا أن عليه أن يصنع لنفسه مكانًا تحت الشمس بأظافره وعزيمته.
إننا هنا لسنا أمام قصة نجاح برّاقة مصنوعة في غرف التكييف، بل أمام نموذج فذ 'للرجل العصامي'؛ ذلك الطراز الإنساني النبيل الذي نحبه ونحترمه من أعماق قلوبنا، لأننا نرى فيه انتصار الإرادة الإنسانية على قسوة الظروف. إن العصامية ليست مجرد كلمة تُقال في معارض المديح، بل هي صك غفران يمنحه المجتمع للمكافحين الذين يرفضون اليد الممدودة ويفضلون عليها الجبين المتصبب عرقًا. هذا الشاب هو ابن شرعي لهذا المفهوم، يمثل القدوة التي تحتاجها مجتمعاتنا اليوم لتدرك أن قيمة المرء لا تقاس بما يملك من ثروة هبطت عليه، بل بما حققه من قيمة مضافة للحياة بفضل جهده الخاص.
عندما تنظر إلى مسيرته، ترى كفاحًا صامتًا لا ضجيج فيه ولا ادعاء. لم ينتظر قطار الفرص ليركبه، بل صنع محطته الخاصة وقاد قطاره بنفسه. وهو اليوم يدير فريق عمل كامل بكفاءة واقتدار. وإدارة البشر – كما نعلم جميعًا – هي أصعب أنواع الإدارات؛ فكيف إذا كانت هذه الإدارة تجمع بين حزم القائد وعطف الأخ؟
إن القيادة ليست سياطًا تُرفع، بل هي إلهام يُبث في نفوس الآخرين. وهذا بالضبط ما يفعله إسلام مع فريقه، يقودهم بالقدوة، ويعلمهم بكفاحه قبل توجيهاته.
إن النجاح العملي في حسابات الأرقام والسوق، والصعود في مدارج الوظائف أو الإدارة، أمر متاح لكثيرين يملكون الذكاء أو الدأب، لكن هذا النجاح وحده – وبمعزل عن القيمة الإنسانية – لا يصنع أبداً إنساناً تستريح إليه النفس، أو تطمئن إليه القلوب. فالأرقام صامتة، والنجاح المادي جاف إن لم تبلله قيم الروح. والقيمة الحقيقية والأصيلة في هذا الشاب «إسلام» لا تكمن في كفاءته الإدارية فحسب، بل في خلقه الإنساني الرفيع. إنه من تلك القلة التي تشعرك بأن الدنيا ما زالت بخير، شاب ينتمي بجدارة إلى سلالة 'الفرسان'؛ تلك السلالة النبيلة التي خشينا كثيراً، في غمرة هذا العصر المادي الموتور، عصر السرعة الخاطفة والآلات الصماء، أن تكون قد انقرضت أو تحولت إلى مجرد حكايات في بطون الكتب القديمة.
حين تقترب من إسلام، يواجهك أول ما يواجهك في شخصيته: ذلك التهذيب الرفيع الذي لم يعد مجرد قشرة اجتماعية زرقاء، بل هو فلسفة حياة نابعة من أعماقه. إنه يتحدث إليك بأدب جمٍّ يأسر القلوب، متبعاً حكمة القدماء في أن الإنصات فضيلة تفوق الكلام؛ فهو ينصت إليك بوعي واحترام أكثر مما يتكلم. وفي تعامله اليومي، تسقط الفوارق الطبقية والسنية؛ تجده يحترم الصغير ويحنّ عليه قبل الكبير ويوقره، مؤمناً بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن الأدب هو جواز السفر الوحيد الذي يعبر به المرء إلى قلوب البشر دون استئذان.
والصفة الأخرى التي تبرز في معدن هذا الشاب هي النبل والشهامة التي تجري في عروقه مجرى الدم. إنه صاحب مروءة من طراز فريد، يسعى في حاجة الناس، يقضيها بنبل الصامتين، مبتعداً كل البعد عن حب الظهور، فلا يتبع ما يفعله بـ 'مَنٍّ ولا سلوى'، ولا ينتظر من أحد جزاءً ولا شكوراً. إذا حلت ملمة، أو نادت الشهامة، أو دعا داعي الواجب الإنساني، فلن تجده في الصفوف الخلفية يتفرج، بل تراه دائماً في الصفوف الأولى، مبادراً، ومتحملاً للمسؤولية بفروسية حقيقية تعيد للمجتمع توازنه وتضامنه المفقود.
هذا المزيج النادر، والدقيق للغاية، بين الكفاح العصامي الصلب الذي يبني مجداً من تعب، وبين الخلق الرفيع والتهذيب الذي يلين القلوب، هو اللغز الحقيقي في شخصية إسلام. إنه يجمع بين صلابة المقاتل في ميدان العمل، ورقة الفارس في ميدان الإنسانية. وهذا التناغم المدهش هو الذي يجعل المرء يتأمل اسمه طويلاً وعميقاً؛ فيدرك أن هذا الشاب لم يأخذ من الإسلام حروفه ورسمه فحسب، بل تمثّل جوهره الأسمى في السلام، والنقاء، والمروءة، وبذل الخير، ليصبح بحق تجسيداً حياً لمعنى اسمه الذي يحمله بين الناس.
إن كلمة 'الإسلام' في جوهرها اللغوي والإنساني تعني السلام، والتسليم للحق، ونقاء السريرة، وبذل الخير للناس. وعندما تتأمل هذا الشاب، تجد أن اسمه لم يكن مجرد صدفة في شهادة الميلاد، بل كان 'منهج حياة'. إننا بحاجة إلى تسليط الضوء على هذه النماذج المضيئة. شباب لا يشتكون من قسوة الظروف، بل يطوعون الظروف بعزيمتهم. شباب يثبتون لنا يومًا بعد يوم أن الأصالة والشهامة ليست شعارات تُرفع في الندوات، بل هي دماء تجري في عروق رجال صادقين.. مثل إسلام.
اسلام