يتعرض الإنسان انتقائيا لمنصات الإعلام الرقمي، كشأن غيرها من المصادر الاتصالية، لكن يتباين تأثيرها، وفقا لعديد المتغيرات التي تترك أثرا تراكميا إيجابيا أو سلبيا، كنتيجة مباشرة لحالة التقمص الوجداني،والاستجابة العاطفية للمثيرات الإلكترونية.
وعندما يتمتع الفرد بمستوى عال من اليقظة الذهنية والثبات الانفعالي، فإنه يستطيع التحكم في مجريات انسياقه اللاشعوري بمسارات التحفيز أو الإحباط النفسي، ومن ثم تغليب المعالجات المنطقية، والإشارات الاستدلالية، وتقويض تحيزاته والإدراكية والعاطفية التي تقود المتصفح لبراثن الخداع الرقمي، الذي يصير شبحا مجهول الهوية.
فعلي الرغم من انتقائية التعرض للمنصة الرقمية، إلا أن العديد من المضامين التسويقية أو الإعلامية الفجائية والمنبثقة، تتجاوز حدود الهيمنة البشرية، لاحتوائها على العديد من الإشارات التحفيزية المقصودة أو التلقائية، كمعدلات الإعجاب، والتعليقات، والمشاركات، والتفاعلات، والقصص الإنسانية، والهاشتاجات، والتريندات.. الخ.
وتضع هذه الإشارات المتصفح في موضع اختبار صعب، يقضي بضرورة تصفية الضوضاء الرقمية،وانتقاء الأكثر جدوى، واستبعاد المضامين الدعائية أو المغرضة، والابتعاد المتعمد عن هذه الفوضى التي يغيب عنها حراس البوابة، أملا في بلوغ التوازن بين الصحة النفسية، والالتماس الموضوعي الرشيد للرسائل الاتصالية.
وتكمن المعضلة حين تحكم الفوضى الرقمية تلابيب قبضتها على الإطار المرجعي للمتصفح، ومن ثم تشويه القيم المعيارية الكامنة بداخله، عبر تأثيرات تراكمية، يتم استعادتها وتذكرها في مواقف لاحقة، حيث يتباين القرار والاتجاه الفكري بكل موقف، وفقا لتفاوت السياقات الاجتماعية، والمتغيرات الشخصية الحاكمة.
وللتنشئة الاجتماعية دور جوهري في الحد من إفرازات هذه التأثيرات أو على العكس تهيئة بيئة خصبة للتفاقم والنمو، ذلك لأن الإطار المرجعي للفرد يحاول باستماتة نبذ الاستدلالات الرقمية الضالة غير الموافقة معه، أو قبولها، والتفاعل معها، بل َوالمشاركة النشطة وَالفعالة في انتشارها، عن قصد أو دون قصد.