ads
ads

كرامة الأستاذ الجامعي.. أزمة صامتة

حين يتحول الإشراف الأكاديمي من رسالة علمية إلى ساحة للصراع الإداري

أ.د. محمد أحمد فرج موسى أستاذ تكنولوجيا التعليم – جامعة عين شمس
أ.د. محمد أحمد فرج موسى أستاذ تكنولوجيا التعليم – جامعة عين شمس

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها جامعاتنا، ثمة أزمة صامتة تنخر في جسد الحياة الأكاديمية، لا يُلتفت إليها كثيرًا في خضم الحديث عن التصنيفات العالمية، وقواعد البيانات، ومعامل التأثير. إنها أزمة كرامة الأستاذ الجامعي، التي تتآكل يومًا بعد يوم تحت وطأة ممارسات إدارية دخيلة، تحولت فيها الأقسام العلمية من فضاءات للإبداع والحرية الفكرية إلى ساحات للصراع على النفوذ، وتصفية الحسابات، والإقصاء الممنهج.

هذه المقالة ليست سردًا لواقعة شخصية، بل هي محاولة لتشريح ظاهرة باتت تهدد جوهر رسالة الجامعة، من خلال تسليط الضوء على إحدى أخطر تجلياتها: الانحراف بالسلطة في توزيع الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه.

١. الإشراف الأكاديمي: رسالة علمية أم أداة إدارية؟

لقد استقرت التقاليد الجامعية، وعززتها نصوص قانون تنظيم الجامعات رقم ٤٩ لسنة ١٩٧٢ ولائحته التنفيذية، على أن الإشراف على الرسائل الجامعية هو وظيفة الأستاذ في المقام الأول. فالمادة (٩٨) من اللائحة التنفيذية تنص بوضوح على أن 'يعين مجلس الكلية – بناء على اقتراح مجلس القسم المختص – أستاذًا يشرف على تحضير الرسالة'. هذا النص القطعي لم يجعل الإشراف امتيازًا شخصيًا، بل جعله واجبًا وظيفيًا وأمانة علمية، يسند إلى الأستاذ صاحب الخبرة والتخصص، ليصوغ عقول الباحثين، ويرعى مسيرتهم الفكرية.

لكن، ماذا يحدث عندما تنقلب هذه المعادلة؟ ماذا عندما يتحول الإشراف إلى 'مكافأة' تُمنح أو 'عقوبة' تُسلب، بقرارات فردية من رئيس القسم أو المشرف عليه، دون أي معايير موضوعية أو شفافية؟ هنا، تتحول الأمانة العلمية إلى أداة للهيمنة، ويتحول القسم إلى إقطاعية أكاديمية، يكون الولاء فيها للشخص، لا للعلم.

٢. ظاهرة "توزيع" الإشراف: اغتصاب للسلطة وتكريس للمحسوبية

من الممارسات الخطيرة التي استشرت في بعض الأقسام العلمية، ما يُعرف بـ 'توزيع الإشراف' بقرار فردي من رئيس القسم. هذا التوزيع، الذي يتم غالبًا دون الرجوع إلى مجلس القسم، ودون الاستناد إلى آلية معتمدة وشفافة، هو اغتصاب صريح لسلطة مجلس القسم المنصوص عليها في المادة (٥٥) من القانون. والأخطر من ذلك، أن هذا التوزيع الانتقائي يُفرغ عمل الأستاذ من مضمونه، ويحوله إلى مجرد موظف ينتظر 'الحصة' التي ستُمنح له، لا لعلمه، بل لموقعه من 'خريطة الولاءات'.

إن حرمان أستاذ متخصص، بل وأقدم أساتذة التخصص، من حقه الأصيل في الإشراف، بحجة 'التوزيع'، وإسناد هذه المهمة إلى مدرسين أو أساتذة مساعدين بشكل حصري، هو قلب كامل للأصول الأكاديمية، وإهدار لخبرات كان يفترض أن تنتقل للأجيال الجديدة. إنه باختصار، إهدار للمال العام المستثمر في تأهيل هذا الأستاذ.

أ.د محمد أحمد فرج موسىأ.د محمد أحمد فرج موسى٣. الإذلال المؤسسي: حين 'يستأذن' الأستاذُ المدرسَ!

وقد تصل المهزلة إلى ذروتها، حين يُشترط على الأستاذ أن 'يستأذن' المدرسين أو الأساتذة المساعدين ليشاركهم الإشراف! هذا الإجراء المهين، الذي لا سند له في القانون أو العرف، يحول صاحب الخبرة إلى تابع، ويمس جوهر المكانة الاعتبارية للأستاذ الجامعي. إنه ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو رسالة مفادها أن القيمة العلمية لا وزن لها في مواجهة القرار الإداري الفردي. هذا هو الجوهر الحقيقي لـ 'أزمة الكرامة الصامتة': تحويل الأستاذ إلى كائن هامشي في مؤسسته، بعد أن كان عمودها الفقري.

٤. إكراه الباحثين: تدمير للنشء العلمي ووأد للأمانة

لا يقف أثر هذه الممارسات عند الأساتذة، بل يمتد ليطال الباحثين أنفسهم. فعندما يُجبر طالب ماجستير أو دكتوراه، تحت وطأة التهديد بعرقلة تسجيله، على تغيير مشرفه الذي صاحب فكرته وبنى معه خطته طوال شهور، فهذه ليست مجرد مخالفة إدارية، بل هي جريمة أكاديمية وأخلاقية كاملة. إنها تدمير للأمانة العلمية، وتحويل للباحث إلى رهينة، يُطلب منه أن يتخلى عن قناعاته العلمية ليضمن مساره الإداري. هذا الإكراه يقتل في الباحث روح المبادرة والولاء للعلم، ويُحل محلها ثقافة الخوف والنفاق.

٥. نحو استعادة الكرامة: المخرج القانوني والإصلاحي

إن إعادة الأمور إلى نصابها ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة حقيقية للتغيير، تبدأ من:

1. التفعيل الصارم للقانون: إن نصوص قانون تنظيم الجامعات واضحة في جعل تعيين المشرفين وتغييرهم اختصاصًا لمجلس القسم (اقتراحًا) ومجلس الكلية (اعتمادًا). أي قرار فردي في هذا الشأن هو باطل قانونًا، ويجب على الإدارات العليا في الجامعات عدم التردد في إلغائه فورًا.

2. اعتماد آليات شفافة وملزمة للإشراف: على كل قسم علمي أن تكون لديه آلية مكتوبة ومعتمدة لتوزيع الإشراف، تقوم على معايير موضوعية كالتخصص، والأقدمية، والخبرة، وعدد الإشرافات القائمة، بعيدًا عن المزاجية والانتقائية.

3. حماية المبلغين عن الفساد: يجب توفير الحماية الكاملة لأي أستاذ أو باحث يتقدم بشكوى حول ممارسات خاطئة. فالصمت الذي يضطر إليه الكثيرون خوفًا من 'العقاب' الإداري هو الذي يسمح لهذه الأزمة بالاستمرار والتفاقم.

4. استعادة ثقافة الاحترام: بعيدًا عن النصوص، نحتاج إلى ثورة أخلاقية تعيد الاعتبار لقيمة الأستاذ وخبرته، وتجعل من كرسي الأستاذية رمزًا للاحترام، لا هدفًا للإذلال.

ختامًا، رسالة إلى ضمير المجتمع الأكاديمي:

إن أزمة كرامة الأستاذ الجامعي ليست أزمة أفراد، بل هي أزمة نظام. وهي ليست صامتة لأنها غير مؤلمة، بل لأن أصحابها أُجبروا على الصمت. آن الأوان أن نكسر هذا الصمت، ليس دفاعًا عن كرامة فردية هنا أو هناك، بل دفاعًا عن فكرة الجامعة نفسها، كحصن للعلم والعقل والحرية، لا كمسرح لصراعات لا علاقة لها بالعلم من قريب أو بعيد.

فلنبدأ الحوار، ولنفتح الملف، قبل أن تخسر جامعاتنا أساتذتها، ليس بالاستقالة، بل بالإحباط والصمت القاتل.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً