في عالم المسرح، لا تُعد العروض مجرد نص مكتوب أو حركة فوق خشبة المسرح، بل هي حالة من "الاشتباك" مع الوعي الجمعي للجمهور. إن المسرح ليس مرآة عاكسة فقط، بل هو عدسة مكبرة تكشف بقع الضوء والظلام في النفس البشرية، وفي مجتمعاتنا التي تضج بالأسئلة الكبرى. ومع اقتراب شهر أغسطس، حيث أستعد لتقديم ثلاثية مسرحية على خشبة مسرح "نهاد صليحة" العريق بأكاديمية الفنون، أجدني أمام تحدٍ إبداعي يهدف إلى ملامسة تلك الأوتار الحساسة، من خلال ثلاثة عروض تختلف في رؤاها، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: البحث عن إجابات لأسئلة الوجود والواقع.
تأتي هذه الثلاثية لتكون رحلة فنية متنوعة المسارات؛ ففي "مدرسة المشاغبات"، نحن لا نقدم مجرد كوميديا، بل نسلط الضوء على رغبة الإنسان في تغيير واقعه، وكيف يمكن لحسن النوايا أحياناً أن تقودنا إلى فوضى غير محسوبة، مما يدفعنا لإعادة تقييم أدواتنا في الإصلاح. وعلى النقيض، يغوص عرض "المصير" في دهاليز النفس البشرية وصراعها مع نوازعها المظلمة؛ تلك الشياطين التي تتربص بنا في لحظات الضعف، لتكشف كيف أن خياراً واحداً خاطئاً قد يغير مسار حياة بأكملها.
أما ختام الرحلة، فيأتي مع إعداد مسرحي لـ "خالتي صفية والدير"، هذا العمل الذي يستحضر أوجاع الحب والقدر، ليطرح تساؤلاً حول أثر الخذلان في تحويل أرقّ المشاعر إلى طاقة انتقامية مدمرة. إنها دراما تعود بنا إلى الجذور، لتذكرنا أن الجرح الذي نحدثه في الآخرين هو في جوهره جرح نحدثه في أنفسنا.
إن هذه التجارب الثلاث ليست منفصلة، بل هي محاولة متصلة لنبض الشارع والذات. فعندما نقف على خشبة "نهاد صليحة"، نحن لا نؤدي أدواراً فحسب، بل نطرح قضايا تلامس المتفرج في بيته وفي وجدانه. إن هدفي من هذا الموسم هو أن يخرج الجمهور من الصالة وهو لا يحمل ذكرى عرض مسرحي فقط، بل يحمل معه تساؤلاً أو قلقاً معرفياً يدفعه للتأمل في تفاصيل حياته.
وفي محاولةٍ لاقتحام مكنونات النفس البشرية، يبرز عرض "مدرسة المشاغبات" كواحدٍ من التجارب المسرحية اللافتة التي يقدمها المخرج إيهاب سالم ضمن مشروعه الفني القادم. لا يقف العرض عند حدود الكوميديا الاجتماعية المعتادة، بل يتجاوزها ليضع "فخ المثالية" تحت مجهر النقد والتحليل، مستنطقاً روح الشباب وطموحاتهم الجامحة نحو تغيير الواقع.
يطرح المخرج إيهاب سالم من خلال هذا العمل تساؤلاً جوهرياً يغوص في أعماق السلوك الإنساني: كيف يمكن لنية الإصلاح أن تتحول إلى فوضى عارمة حين تغيب الحكمة عن أدواتنا؟ إن "مدرسة المشاغبات" ليست مجرد سردٍ لمواقف مضحكة، بل هي صرخة فنية تعيد التذكير بحقيقةٍ غائبةٍ وسط صخب التغيير؛ وهي أن إصلاح الواقع لا يبدأ بالهدم الذي لا يدرك عواقبه، بل يبدأ من فهم الذات وإدراك أبعاد الخطوة قبل اتخاذها.
لقد نجح إيهاب سالم في توظيف هذا القالب الكوميدي ليجعل الجمهور في مواجهة مباشرة مع تناقضات أفعالهم. فالمسرح هنا يتحول إلى منصةٍ واعية، تحذر من الاندفاع الأعمى الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وتدعو في الوقت ذاته إلى التوازن بين الرغبة في التغيير والقدرة على فهم الواقع. إنها دعوة للوعي، تُقدم عبر أداءٍ مسرحي يهدف إلى دفع المتفرج للتأمل في عواقب الأفعال، مؤكداً أن الطريق الصحيح نحو البناء لا يمر عبر تدمير الأسس، بل عبر الوعي والتروي.
يأخذ المخرج إيهاب سالم الجمهور في رحلةٍ إبداعية تتجاوز حدود العرض المسرحي التقليدي، حيث يغوص في عرض "المصير" داخل منطقةٍ أكثر قتامةً وتعقيداً؛ وهي صراع الإنسان مع "شياطينه" الداخلية. في زمنٍ تتقاذف فيه المغريات خيارات الأفراد، يقدم سالم مسرحية "المصير" كتجسيدٍ بصريٍ للحظة التيه الوجودي التي قد يواجهها أي منا. يحمل العرض رسالةً تحذيريةً عميقة، تؤكد أن الإنسان يبقى هو المهندس الأول لقدره، وأن أي تنازلٍ عن المبادئ سعياً وراء "طريقٍ أسهل" قد لا يكلف المرء سوى خسارة ذاته بالكامل.
وعلى صعيدٍ آخر، يدرك إيهاب سالم أن للمسرح أصولاً لا تكتمل إلا بالعودة إلى التراث والدراما الإنسانية الكلاسيكية؛ لذا يأتي إعداده المسرحي لرواية "خالتي صفية والدير" ليعيد إحياء حكاياتٍ شكلت على مدار أجيالٍ وجدان المتلقي العربي. في هذا العمل، يفتح المخرج نافذةً على الصراع الأزلي بين الحب والانكسار، مستعرضاً تراجيديا القدر التي تحول المحب إلى منتقم. ومن خلال هذه الدراما، يقدم سالم دراسةً في أثر "الخذلان" الذي يتركه القريب، وكيف يمكن لشرارة حقدٍ صغيرة أن تتحول إلى لهيبٍ يحرق بساتين الذكريات.
إن تقديم هذه الثلاثية المسرحية خلال شهر أغسطس على خشبة مسرح "نهاد صليحة"، لا يراه إيهاب سالم مجرد مهمةٍ مهنية، بل يضعه في سياق الانحياز الكامل لمسرحٍ يطرح الأسئلة الصعبة؛ ذلك المسرح الذي لا يكتفي بإثارة الضحك أو البكاء، بل يدفع المتفرج للتساؤل عن حكاياته الخاصة بعد إسدال الستار.
تلك الدعوة التي يوجهها سالم للجمهور ليست مجرد دعوة للمشاهدة، بل للمشاركة في رحلة استكشافية لماهية الإنسان وما يمكن أن يكون عليه. فالمسرح في رؤيته هو الحياة ذاتها، ومسرح "نهاد صليحة" هو المساحة التي يسعى من خلالها المخرج وفريقه لإعادة صياغة حكايتنا مع الواقع، ومع القدر، ومع ذواتنا.