هناك فارق كبير بين أن تصدر جهة نقابية قرارًا رسميًا تتحمل مسؤوليته، وبين أن تجد مؤسسات صحفية نفسها فجأة محل أخبار متداولة تتحدث عن وقف قيدها أو التشكيك في أوضاعها، ثم يُقال بعد ذلك إنه لم يصدر أي بيان رسمي.
هذه ليست مجرد أزمة خبر صحفي، بل أزمة ثقة.
الإعلام في مصر ليس مجرد مهنة، بل صناعة وطنية دفعت فيها المؤسسات الخاصة استثمارات بملايين الجنيهات للحصول على التراخيص، وتكلفت ملايين أخرى في الطباعة، وسداد الالتزامات، والاستمرار في سوق يواجه منذ سنوات ارتفاعًا غير مسبوق في تكاليف الورق والطباعة والتشغيل، إلى جانب تراجع سوق الإعلانات والضغوط الاقتصادية التي يعرفها الجميع.
وسط هذه الظروف، يصبح اسم المؤسسة الصحفية جزءًا من رأسمالها. سمعتها أمام المعلنين، وأمام القراء، وأمام العاملين بها، لا تقل قيمة عن أصولها المالية. ولذلك فإن تداول أخبار تمس مستقبل هذه المؤسسات، قبل وجود موقف رسمي معلن، قد يترك آثارًا تتجاوز مجرد "خبر غير دقيق".
المؤسسة الصحفية ليست خصمًا للنقابة، بل هي البيت الذي يعمل فيه الصحفي. وإذا ضعفت المؤسسات، فلن يبقى للصحفي مكان يعمل فيه، ولن تجد النقابة أعضاء جددًا تدافع عنهم، ويبرر استمرارها من الأساس.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل يكفي ألا يصدر بيان رسمي حتى تنتفي المسؤولية عن حالة الجدل التي تسبق كل لجنة قيد أو كل ملف يتعلق بالمؤسسات الصحفية؟ أم أن حجم التأثير الذي تتركه الأخبار المتداولة يفرض على الجميع قدرًا أكبر من الانضباط والوضوح وسرعة النفي أو التأكيد؟
النقابة مطالبة، قبل أي شيء، بحماية المناخ الذي تعمل فيه الصحافة المصرية، لا أن يتحول اسم مؤسسة صحفية إلى مادة للتداول دون سند رسمي واضح. فالمؤسسات لا تتحمل وحدها تكلفة هذه الأخبار، بل يتحملها العاملون بها، والمعلنون، والسوق بأكمله.
كما أن العلاقة بين النقابة والمؤسسات الخاصة تحتاج إلى مراجعة حقيقية. فمن غير المنطقي أن يُنظر إلى أصحاب المؤسسات باعتبارهم الطرف الأقل أهمية، بينما هم الذين يتحملون تكلفة الاستثمار، ويدفعون الرواتب، ويوفرون فرص العمل، ويفتحون أبواب المهنة أمام أجيال جديدة من الصحفيين، حتى تمارس النقابة مهام أعمالها النقابية من خلالهم.
والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بجدية: ماذا لو قررت المؤسسات الصحفية الخاصة، تحت ضغط الأعباء المالية أو شعورها بعدم وجود شراكة حقيقية، وقف التعيينات الجديدة أو التوقف عن التقدم بملفات القيد؟
بعد سنوات قليلة، من أين سيأتي أعضاء النقابة الجدد؟ فالمؤسسات القومية لم تعد تستوعب الأعداد التي كانت تستوعبها سابقًا، والقطاع الخاص أصبح هو المساحة الأكبر التي تمنح الصحفيين الشباب فرصة الدخول إلى المهنة.
إذا انكمش هذا القطاع، فإن الأزمة لن تكون أزمة مؤسسات خاصة، وإنما أزمة مستقبل مهنة كاملة، وجدوى استمرار لكيان النقابة ذاته.
والأمر نفسه ينطبق على النزاعات العمالية. فدور النقابة الأصيل هو السعي إلى الإصلاح والتوفيق بين الصحفي والمؤسسة قبل الوصول إلى ساحات القضاء. أما إذا تحولت الخلافات إلى نزاعات قانونية، فهناك قانون عمل، ومكاتب عمل، ومحاكم مختصة تملك الفصل بين الحقوق والواجبات. فالحفاظ على التوازن بين حماية الصحفي واحترام حقوق المؤسسة هو الضمان الحقيقي لاستقرار المهنة.
لا أحد يطلب من نقابة الصحفيين أن تتخلى عن دورها، بل المطلوب أن تمارسه باعتباره دورًا جامعًا، يحمي الصحفي ويحافظ في الوقت نفسه على المؤسسة التي يعمل بها، لأن أحدهما لا يعيش دون الآخر.
إن قوة النقابة لا تُقاس بقدرتها على الضغط، وإنما بقدرتها على بناء الثقة. والثقة لا تُبنى بالشائعات أو بالأخبار غير المحسومة، والمسربة لغرض ما، وإنما بالقرارات المعلنة، والشفافية، والمساواة في تطبيق المعايير على الجميع دون استثناء.
فالصحافة المصرية تحتاج اليوم إلى شراكة حقيقية بين النقابة والمؤسسات، لا إلى معركة يخسر فيها الطرفان. لأن الخاسر في النهاية لن يكون مؤسسة بعينها، ولا مجلس نقابة بعينه، وإنما صناعة إعلامية تمثل أحد أعمدة القوة الناعمة للدولة المصرية.
إذا استمرت العلاقة بين النقابة والمؤسسات الخاصة بهذه العقلية، فإن أصحاب المؤسسات سيكون من حقهم إعادة النظر في استمرار المشاركة في منظومة القيد من الأساس. فالمؤسسة التي تُعامل باعتبارها متهمة على الدوام، ويُمس اسمها التجاري دون قرار رسمي، لن تستمر في تحمل تكلفة صناعة الصحفي "المليونية"، ثم تتعرض للإساءة منه مستقبلًا بدعم من النقابة.
إن استمرار هذا النهج ستكون له عواقب على مستقبل المهنة نفسها. فإذا اتخذت المؤسسات الخاصة قرارًا جماعيًا بوقف القيد واستقبال دفعات جديدة، فمن أين سيأتي أعضاء النقابة بعد عشر سنوات؟ ومن ستمثل النقابة حينها؟
النقابة لا تعيش بمعزل عن المؤسسات، بل تعيش بوجودها. وإذا اختفت الروافد التي تمد المهنة بالصحفيين، فسيفقد وجود النقابة جزءًا كبيرًا من مبرره العملي. وهذه ليست دعوة إلى الصدام، وإنما تحذير من نتائج سياسات قد تدفع الجميع إلى خسارة لا رابح فيها.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس استعراضا لسلطة مؤقتة، ستنتهي بمجرد تغيير الأسماء مع أقرب انتخابات، بل المطلوب هو بناء ثقة في أسماء نقابية محايدة لا تنشغل بخلافات شخصية، وتكون قادرة على حل أي خلاف أو أزمة، سواء كانت اليوم داخل مجلس النقابة أو غدًا خارجه، ومراجعة حقيقية لمعايير القيد، وإعلانها بشفافية، وتطبيقها على الجميع دون استثناء، مع احترام السمعة التجارية والأدبية للمؤسسات الصحفية، وعدم الزج بأسمائها في أخبار غير محسومة قبل صدور قرارات رسمية.
فالمساواة والعدالة ليست شعارا يرفع لدغدغة المشاعر على سلالم النقابة، بل يجب أن يتحولا إلى واقع نلمسه جميعا العاملين في الوسط الصحفي.