لم أكتب هذه الكلمات لأروي قصة عابرة، وإنما لأوثق حكاية إنسانة كانت يومًا زوجتي ورفيقة عمري وأم ابنتيَّ، ثم أصبحت ذكرى لا تفارقني، ودعاءً لا ينقطع.
في عام 2015، وكان عمري وقتها 26 عامًا، جمعتني الصدفة بفتاة لفتت انتباهي بأدبها واحترامها. لم تكن بيننا معرفة سابقة، لكنني اتخذت قراري سريعًا بالتقدم إليها.
توجهت إلى نسيبي فتحي عبداللطيف حسنين، جد زوجتي الراحلة نهاد أحمد السيد، وأخبرته برغبتي في التقدم لها، فاصطحبني إلى منزل أسرتها في عزبة أبو محارب بمدينة القصاصين الجديدة بمحافظة الإسماعيلية، التي كانت تبعد عن منزلي نحو خمسة كيلومترات.
جلست مع والدها، وكان رجلًا خلوقًا رحب بنا، ثم تكررت الزيارات، وجاءت زيارة والدي، وبعدها قرأنا الفاتحة، ولم تمر سوى عام واحد حتى أصبحت نهاد زوجتي.
كان عام الخطوبة مليئًا بالفرح، وبدأت بيننا رحلة زوجية امتدت نحو أحد عشر عامًا، عشنا خلالها تفاصيل الحياة بكل ما فيها من لحظات سعيدة وأيام صعبة.
المرض يطرق باب أسرتنا
في العام العاشر من الزواج، تغيرت حياتنا بعدما تعرضت زوجتي لوعكة صحية شديدة، وأصبحت بحاجة إلى إجراء جراحة قلب مفتوح.
كانت لحظات صعبة على الأسرة بأكملها، إلا أن الأمل ظل حاضرًا.
وخضعت نهاد للجراحة على يد الأستاذ الدكتور سيد فياض، أستاذ جراحة القلب والصدر ومدير قسم جراحة القلب والصدر بمجمع الإسماعيلية الطبي، الذي بذل جهودًا كبيرة في التعامل مع حالتها.
وأتذكر حتى الآن كلماتها له قبل العملية، عندما قالت:
نفسي يا دكتور سيد تعمل لي العملية
فطمأنها ووعدها بإجراء الجراحة، وبالفعل تم إجراء العملية، وكتب الله لها النجاة.
كما أتذكر الدور الذي قام به الدكتور أحمد خالد، الذي كان مديرًا لمجمع الإسماعيلية الطبي وقتها، في متابعة الحالة والسعي لتوفير فصيلة الدم النادرة التي كانت تحتاج إليها، وسط اهتمام كبير من الفريق الطبي.
وكان الدكتور محمد سامي حامد، رئيس فرع الهيئة العامة للرعاية الصحية بالإسماعيلية آنذاك، متابعًا للظروف الطبية، وله كل التقدير.
عام من الاستقرار
بعد نجاح العملية، بدأت نهاد تستعيد حياتها تدريجيًا، واستمرت المتابعة الطبية بصورة منتظمة مع الدكتور سيد فياض.
وكانت المتابعة مستمرة حتى في أثناء وجودها خارج البلاد، حيث كان الطبيب يتابع حالتها عبر تطبيق واتساب، وهو ما كان يمنحنا شعورًا بالاطمئنان.
مر عام تقريبًا على العملية في حالة من الاستقرار، وعادت الأسرة إلى تفاصيل حياتها المعتادة.
لكن القدر كان يكتب فصلًا آخر لم نكن نعرف عنه شيئًا.
الأول من يناير.. آخر صورة
في الأول من يناير 2026، قررت زوجتي صيام ستة أيام قضاءً عن أيام سابقة، إلا أنها تعرضت لإعياء شديد، فتوجهت بها إلى مجمع الإسماعيلية الطبي.
تم حجزها داخل قسم عناية القلب والصدر، وبدأت رحلة جديدة مع المرض.
مرت ثمانية أيام، تدهورت خلالها حالتها الصحية، حتى جاء اليوم الذي لم أكن مستعدًا له مهما حاولت.
رحلت نهاد عن عالمنا
رحلت زوجتي، ورفيقة أحد عشر عامًا من العمر، وتركت خلفها بيتًا لم يعد كما كان.
أسئلة لا تنتهي
منذ رحيلها، وأنا أعيش مع سؤال لا يفارقني:
هل قصرت في حقها؟
هذا السؤال يطاردني حتى الآن.
ورغم أنني بذلت ما استطعت، فإن الإنسان أمام فقدان من يحب يظل يبحث عن إجابات مستحيلة، ويتمنى لو عاد به الزمن يومًا واحدًا فقط، ليقول كلمة إضافية، أو يمسك يدًا لفترة أطول، أو يفعل شيئًا كان يظن أنه يستطيع تأجيله.
ولهذا أقول لها، رغم أنني أعلم أنها لن تسمعني:
سامحيني يا نهاد إذا كنت قصرت في حقك يومًا.
نور وسلمى.. آخر ما تركته لي
رحلت نهاد، لكنها تركت لي أغلى ما في حياتي: ابنتيَّ نور وسلمى.
طفلتان أصبحتا تحملان ملامح أمّهما وذكرياتها.
أحاول أن أكون قويًا أمامهما، لكن هناك لحظات يعجز فيها الكلام عن إخفاء الألم.
فقدان الزوجة لا يعني فقط غياب إنسانة من المنزل، بل يعني أن تفاصيل الحياة اليومية نفسها تتغير.
المقعد الذي كانت تجلس عليه يصبح فارغًا، صوتها الذي كان يملأ المكان يغيب، والأيام التي كانت تمر عادية تصبح ثقيلة.
رحلت نهاد وبقيت الحكاية
لم ينطفئ نور البيت يوم رحلت نهاد فقط، بل تغير كل شيء في لحظة واحدة.
لكنني سأظل أروي قصتها، ليس بحثًا عن الشفقة، وإنما وفاءً لامرأة عاشت معي أحد عشر عامًا، وواجهت المرض بشجاعة، وتركت خلفها ابنتين هما أجمل ما بقي من سيرتها.
نهاد.. رحلتِ عن البيت، لكنك لم ترحلي من قلوبنا.
رحمكِ الله رحمة واسعة، وغفر لكِ، وجعل مرضك وتعبك في ميزان حسناتك، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة.
وفي النهاية.. بعض الغياب لا يُنسى، وبعض الرحيل لا يطفئ الذكرى، بل يجعلها تعيش معنا كل يوم.