ads
ads

السيد الخطاري يكتب: المؤثرون على مائدة الإعلام.. هل بدأت إعادة رسم خريطة الوعي المصري؟

السيد الخطاري
السيد الخطاري

لم يعد المشهد الإعلامي في العالم كما كان قبل سنوات قليلة، ولم تعد صناعة الوعي وتشكيل الرأي العام حكرًا على المؤسسات الصحفية والإذاعية والتليفزيونية، التي ظلت لعقود طويلة صاحبة المنابر الأكثر تأثيرًا وانتشارًا. فقد فرضت التحولات التكنولوجية واقعًا جديدًا أصبحت فيه كاميرا الهاتف المحمول وميكروفون صغير كافيين لصناعة محتوى يصل إلى ملايين البشر، ويؤثر في أفكارهم واتجاهاتهم، وربما يعيد تشكيل قناعاتهم تجاه قضايا عديدة.

ومن هنا، يمكن قراءة لقاء الكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، مع نخبة من المؤثرين وصُنّاع المحتوى الرقمي في مصر، باعتباره خطوة تتجاوز مجرد التواصل مع فئة أصبحت حاضرة بقوة على منصات التواصل الاجتماعي، لتفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل الإعلام المصري، وطبيعة التحولات التي تعيد رسم خريطة التأثير في المجتمع.

فاللقاء يعكس إدراكًا مهمًا لحقيقة أن الإعلام لم يعد مجرد مؤسسة تمتلك استوديوهات وكاميرات وشبكات بث، وإنما أصبح بالأساس قدرة على إنتاج الرسالة، والوصول إلى الجمهور، والتأثير في وعيه وسلوكه.

وإذا كانت المؤسسات التقليدية لا تزال تمتلك الخبرة المهنية والتاريخ والإمكانات الفنية، فإن صُنّاع المحتوى يمتلكون أدوات جديدة للوصول المباشر إلى شرائح واسعة من الجمهور، والتفاعل معها بلغتها واهتماماتها.

والحقيقة أننا أمام تحول جوهري في العلاقة بين الإعلام والمتلقي؛ فالجمهور الذي كان ينتظر الصحيفة أو نشرة الأخبار أو البرنامج التليفزيوني، أصبح اليوم يختار ما يشاهده ومتى يشاهده ومن يتابعه، بل أصبح شريكًا في إنتاج المحتوى وتداوله.

وبالتالي لم تعد المنافسة الإعلامية مرتبطة فقط بحجم المؤسسة أو قوة إمكاناتها، وإنما بقدرتها على فهم الجمهور وتقديم محتوى يجمع بين الجاذبية والمصداقية.

لكن الاعتراف بقوة المؤثرين لا يعني بالضرورة أن كل محتوى واسع الانتشار يمثل إضافة حقيقية للوعي المجتمعي؛ فهناك فارق كبير بين عدد المشاهدات وقيمة الرسالة، وبين امتلاك ملايين المتابعين وامتلاك المعرفة والمسؤولية.

وهنا تبرز أهمية بناء ثقافة إعلامية جديدة تقوم على التحقق من المعلومات، واحترام عقل المتلقي، ومواجهة الشائعات والتضليل، وإدراك أن التأثير في الجمهور مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا.

ومن ثم، فإن أهمية هذه المبادرة تكمن في إمكانية بناء جسور من التعاون بين المؤسسات الإعلامية وصُنّاع المحتوى، بما يحقق التكامل بين الخبرة المهنية وأدوات الاتصال الحديثة، ويفتح المجال أمام توظيف الطاقات الرقمية في نشر المعرفة، وتبسيط القضايا العامة، وتعزيز الوعي بالقضايا الوطنية والمجتمعية.

كما أن هذه التحولات تفرض على المؤسسات الإعلامية المصرية مراجعة أدواتها وأساليب عملها، فلم يعد كافيًا أن تمتلك المنبر، بل أصبح عليها أن تذهب إلى الجمهور حيث يوجد، وأن تفهم طبيعة اهتماماته وتغيراته، وأن تطور خطابها بما يتناسب مع متطلبات العصر.

إننا لا نشهد مجرد انتقال من شاشة التليفزيون إلى شاشة الهاتف، وإنما إعادة تشكيل لمفهوم الإعلام وأدوار القائمين عليه. فالمعركة الحقيقية لم تعد معركة من يمتلك الكاميرا أو الميكروفون، وإنما من يستطيع تقديم المعلومة الأكثر صدقًا، والفكرة الأكثر إقناعًا، والرسالة الأكثر قدرة على البقاء في عقل الجمهور ووجدانه.

لقد أصبح بإمكان كاميرا هاتف أن تصنع منبرًا يصل إلى الملايين، لكن ما لا تستطيع التكنولوجيا أن تمنحه تلقائيًا هو المهنية والحكمة والمسؤولية. وتلك هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم مستقبل الإعلام المصري: أن نواكب أدوات العصر دون أن نتخلى عن قيم المهنة، وأن نستثمر قوة التأثير الرقمي دون أن نختزل صناعة الوعي في أرقام المشاهدات والمتابعين.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
حقيقة مفاوضات الأهلي مع يورتشيتش.. مصدر مقرب من المدرب يكشف التفاصيل المالية (خاص)