مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، عاد الجدل مجددًا داخل الأوساط الأكاديمية والاستراتيجية حول طبيعة أي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، وحجم التحديات التي قد تواجهها واشنطن في حال تحول التصعيد إلى حرب واسعة. فهذه المواجهة المحتملة لا تُقاس فقط بتفوق عسكري تقليدي، بل بعوامل أكثر تعقيدًا تتعلق بطبيعة الحرب الحديثة، والقدرة على إدارة صراع طويل الأمد في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية.
في هذا السياق، تتزايد التحليلات التي ترى أن إيران سعت خلال العقدين الماضيين إلى تطوير نموذج مختلف من الحروب يعتمد على مبدأ 'الحرب غير المتكافئة'، وهو نمط يهدف إلى تقليص الفجوة العسكرية مع القوى الكبرى عبر الاعتماد على أدوات أقل تكلفة وأكثر مرونة مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى وشبكات الحلفاء الإقليميين. هذا النموذج، وفق بعض التقديرات، قد يمنح طهران قدرة على خوض حرب استنزاف طويلة تستهدف إنهاك الخصم اقتصاديًا وعسكريًا بدلًا من الدخول في مواجهة تقليدية مباشرة.
ومن بين التحليلات التي تناولت هذا السيناريو، قراءة قدمها الأكاديمي الكندي من أصول صينية جيانغ شيويه تشين خلال استضافته في برنامج Breaking Points، حيث عرض تصورًا مفصلًا لاحتمالات المواجهة بين واشنطن وطهران، مشيرًا إلى أن أي صراع واسع قد يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من ساحات القتال ليشمل طرق الطاقة العالمية، والبنية التحتية الحيوية في الخليج، وحتى توازنات النظام الاقتصادي الدولي. هذه القراءة تفتح الباب لفهم أوسع لطبيعة الصراع المحتمل وتداعياته الإقليمية والعالمية.
صعوبات أمريكية في الحرب مع إيران
وفي هذا السياق، استضاف برنامج Breaking Points الأكاديمي الكندي من أصول صينية Jiang Xueqin، الذي قدم قراءة تحليلية اعتبر فيها أن الولايات المتحدة قد تواجه صعوبات كبيرة في حال اندلاع حرب واسعة مع إيران، بل وذهب إلى احتمال خسارتها استراتيجياً إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة.
يرى جيانج أن إيران عملت على مدى نحو عقدين على إعداد نموذج مختلف للحرب، يعتمد بدرجة كبيرة على المواجهة غير المتكافئة.
فبدلاً من الاعتماد على جيوش تقليدية ضخمة، ركزت طهران على تطوير منظومات الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة، إضافة إلى بناء شبكة من الحلفاء الإقليميين في مناطق مثل اليمن والعراق ولبنان.
ويشير إلى أن هذا النموذج يمنح إيران قدرة على خوض حرب طويلة المدى تعتمد على إنهاك الخصم اقتصادياً وعسكرياً بدلاً من المواجهة المباشرة التقليدية.
استخدام الطائرات المسيرة الرخيصة عامل قوي
أحد أبرز عناصر هذه الاستراتيجية، بحسب التحليل، هو استخدام الطائرات المسيّرة الرخيصة في مواجهة منظومات الدفاع الجوي الباهظة التكلفة.
فاعتراض طائرة مسيّرة أو صاروخ منخفض الكلفة قد يتطلب إطلاق صواريخ دفاعية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، وهو ما يخلق فجوة اقتصادية كبيرة في كلفة الاشتباك.
ويشير جيانج إلى أن هذا النمط من الحرب ظهر في عدة ساحات خلال السنوات الماضية، حيث استخدمت الطائرات المسيّرة بشكل مكثف في النزاعات الإقليمية، ما فرض تحديات متزايدة على أنظمة الدفاع التقليدية.
مضيق هرمز
كما يتوقف التحليل عند العامل الجغرافي والاقتصادي المرتبط بالممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.ويعتقد جيانج أن إيران قد لا تحتاج إلى سيطرة بحرية كاملة لإغلاق المضيق، بل يكفي تهديد الملاحة عبر الألغام البحرية أو الصواريخ الساحلية أو الطائرات المسيّرة لخلق اضطراب كبير في حركة التجارة العالمية، وهو سيناريو قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وإرباك الأسواق الدولية.
البنية التحتية في الخليج
ويتطرق التحليل أيضاً إلى البنية التحتية الحيوية في دول الخليج، مشيراً إلى أن منشآت مثل محطات تحلية المياه وحقول النفط والغاز تمثل أهدافاً حساسة في حال توسعت الحرب.
فمعظم دول الخليج تعتمد بشكل كبير على تحلية مياه البحر لتوفير المياه العذبة، وأي استهداف واسع لهذه المنشآت قد يؤدي إلى أزمة إنسانية وخدمية.
كذلك فإن ضرب منشآت الطاقة قد يخلق أزمة طاقة عالمية نظراً للدور المركزي الذي تلعبه المنطقة في إمدادات النفط والغاز.
وفي هذا السياق، يلفت جيانج إلى خط أنابيب النفط حبشان – الفجيرة في الإمارات، الذي أنشئ لتقليل الاعتماد على المرور عبر مضيق هرمز عبر نقل النفط من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان. ويشير إلى أن استهداف مثل هذه البنية التحتية حتى بشكل محدود قد يضعف أحد البدائل التي طورتها دول الخليج لتأمين صادراتها النفطية في حال تعطل الملاحة في المضيق.
نظام البترودولار
أما على المستوى الاقتصادي العالمي، فيربط جيانج بين استقرار النظام المالي الدولي واستقرار أسواق الطاقة، خصوصاً في ظل الدور الذي يلعبه ما يُعرف بـ 'نظام البترودولار' في دعم هيمنة الدولار في التجارة العالمية. ويرى أن أي اضطراب واسع في إنتاج وتصدير النفط من الخليج قد ينعكس على توازنات الاقتصاد العالمي، ويزيد الضغوط على الاقتصاد الأمريكي.
ويضيف أن طول أمد الحرب قد يحولها من مواجهة عسكرية تقليدية إلى صراع جيوسياسي واسع يعيد تشكيل التحالفات الدولية، خصوصاً إذا أدى التصعيد إلى تعطيل طرق الطاقة والتجارة العالمية.
التاريخ التنبؤي
ففي مثل هذا السيناريو، قد تجد القوى الكبرى نفسها مضطرة للتدخل دبلوماسياً أو اقتصادياً لحماية مصالحها المرتبطة بتدفق الطاقة وحركة الملاحة الدولية.
البروفيسور جيانغ يدير أيضاً قناة تحليلية على يوتيوب باسم 'التاريخ التنبؤي' يتابعها أكثر من مليون شخص، ويقدم من خلالها تحليلات تاريخية تعتمد على قراءة الأنماط التاريخية لمحاولة استشراف المستقبل السياسي والعسكري.
وقد اكتسبت بعض تحليلاته اهتماماً بعد أن توقع قبل سنوات احتمال اندلاع مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في إطار ما سماه 'فخ إيران'.
ومع ذلك، يشير عدد من المحللين العسكريين إلى أن مثل هذه السيناريوهات تبقى ضمن نطاق التوقعات النظرية، إذ تعتمد نتائج أي صراع واسع على مجموعة معقدة من العوامل، من بينها قدرات الدفاع الجوي، وتوازن القوى البحرية، والتحالفات الدولية، إضافة إلى العوامل الاقتصادية والسياسية التي قد تحدد مسار أي مواجهة محتملة.
في المحصلة، يعكس هذا النوع من التحليلات اتساع الجدل داخل الأوساط الأكاديمية والإعلامية حول مستقبل ميزان القوى في الشرق الأوسط، واحتمالات تحول أي تصعيد إقليمي إلى أزمة عالمية أوسع، خاصة في منطقة ترتبط مباشرة بأمن الطاقة العالمي وحركة التجارة الدولية.