لم يعد اتخاذ قرار عسكري اليوم يبدأ من غرفة عمليات مزدحمة بالضباط والخرائط، بل من شاشة واحدة تعرض توصيات خوارزمية قادرة على تحليل آلاف البيانات في ثوانٍ.
هذا ما كشفه المسؤول الرقمي ورئيس الذكاء الاصطناعي في وزارة الدفاع الأمريكية، كاميرون ستانلي، خلال عرض تقني حديث، استعرض فيه نظام “ميفن” أحد أكثر المشاريع العسكرية إثارة للجدل والذي أصبح، وفق تقارير متزايدة، يلعب دورًا محوريًا في العمليات المرتبطة بالتوتر مع إيران وفقا لصحيفة وول ستريت الأمريكية.
التحول الذي يعكسه هذا النظام لا يقتصر على كونه تطورًا تقنيًا، بل يمثل نقلة أعمق في طبيعة الحرب نفسها: من صراع تقوده قرارات بشرية بطيئة نسبيًا، إلى بيئة تتصدر فيها الخوارزميات مشهد التحليل والتوصية، وربما—بشكل غير مباشر—صناعة القرار.
لماذا تتجه الجيوش إلى الذكاء الاصطناعي؟
في السنوات الأخيرة، واجهت الجيوش الحديثة تحديًا متزايدًا يتمثل في “تضخم البيانات”. فمع انتشار الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار وأنظمة المراقبة الرقمية، باتت المؤسسات العسكرية تمتلك كميات هائلة من المعلومات، تفوق بكثير قدرة الإنسان على تحليلها في الوقت المناسب.هذا الفائض المعلوماتي لم يكن ميزة دائمًا، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى عبء. إذ يمكن أن تتوفر بيانات دقيقة عن هدف ما، لكن تأخر تحليلها يجعلها عديمة القيمة العملياتية. ومن هنا، برزت الحاجة إلى أنظمة قادرة على “تصفية” هذا الكم الهائل من المعلومات، واستخلاص ما هو قابل للاستخدام الفوري.
في هذا السياق، جاء مشروع “ميفن” كاستجابة مباشرة لهذا التحدي، ليحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى عنصر مركزي في إدارة العمليات العسكرية.
من مشروع تجريبي إلى منصة قتالية متكاملة
بدأ “ميفن” كمبادرة محدودة تهدف إلى تحسين تحليل الصور الجوية، خاصة تلك القادمة من الطائرات بدون طيار. في تلك المرحلة، كان الهدف بسيطًا: تقليل الوقت الذي يستغرقه المحللون في مراجعة مقاطع الفيديو الطويلة.
لكن التطور لم يتوقف عند هذا الحد. فمع تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي، توسع نطاق المشروع ليشمل دمج مصادر بيانات متعددة، من صور الأقمار الصناعية إلى الإشارات الإلكترونية والتقارير الاستخباراتية.
ومع انسحاب بعض الشركات التقنية الكبرى من المشروع لأسباب أخلاقية، برزت شركة Palantir كلاعب رئيسي، لتتولى تطوير النظام وتحويله إلى منصة شاملة قادرة على:
جمع البيانات من مصادر متعددة في الوقت الفعلي
تحليلها باستخدام نماذج متقدمة
تحديد الأهداف المحتملة
تقديم توصيات عملياتية للقادة العسكريين
بهذا التحول، لم يعد “ميفن” مجرد أداة تحليل، بل أصبح نظام دعم قرار متكامل.
كيف يعمل “ميفن”؟
لا بد من النظر إلى كيفية عمله داخل ما يُعرف عسكريًا بـ“سلسلة القتل”، وهي المراحل التي تمر بها أي عملية عسكرية، رصد الهدف، تحديده، تتبعه، اتخاذ القرار، ثم التنفيذ.في النموذج التقليدي، كانت هذه المراحل تُدار عبر أنظمة منفصلة وفرق متعددة، ما يؤدي إلى بطء نسبي في اتخاذ القرار.
أما مع “ميفن”، فقد تم دمج هذه المراحل داخل منصة واحدة، تعمل بشكل متزامن.
يقوم النظام بجمع البيانات من مصادر مختلفة، ثم يستخدم خوارزميات تحليل متقدمة لتحديد الأنماط، واكتشاف الأهداف، وتقييم خطورتها.
بعد ذلك، يعرض النتائج في واجهة موحدة، غالبًا ما تتضمن توصيات واضحة بشأن أولويات الاستهداف.
هذا التكامل أدى إلى تقليص الزمن اللازم لاتخاذ القرار من ساعات وأحيانًا أيام إلى دقائق، وربما ثوانٍ.
من “سلسلة القتل” إلى “شبكة القتل”
أحد المفاهيم التي برزت مع استخدام “ميفن” هو الانتقال من “سلسلة القتل” إلى “شبكة القتل”، في النموذج الجديد، لا تسير العملية بشكل خطي، بل تتم عبر شبكة مترابطة من الأنظمة التي تتبادل المعلومات في الوقت الفعلي.
هذا يعني أن اكتشاف هدف في منطقة ما يمكن أن يؤدي فورًا إلى تفعيل سلسلة من الإجراءات عبر منصات مختلفة طائرات بدون طيار، أنظمة صاروخية، أو حتى وحدات ميدانية.
النتيجة هي بيئة عملياتية أسرع وأكثر تكاملًا، لكنها في الوقت نفسه أكثر تعقيدًا، حيث يصبح من الصعب تتبع مسار القرار بدقة.
استخدام “ميفن” في الحرب مع إيران
تشير تقارير متعددة إلى أن “ميفن” لم يعد حبيس المختبرات، بل دخل بالفعل في صلب العمليات العسكرية. وفي سياق التوتر مع إيران، يُعتقد أن النظام لعب دورًا حاسمًا في تسريع وتيرة الاستهداف.
في الأيام الأولى من بعض العمليات، تمكّن النظام وفق هذه التقارير من تحديد عدد كبير من الأهداف خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما لم يكن ممكنًا سابقًا بالاعتماد على التحليل البشري وحده.
الأهم من ذلك، أن “ميفن” لا يكتفي بعرض البيانات، بل يقدم توصيات بشأن أولويات الضربات، ما يمنحه دورًا يتجاوز الدعم إلى التأثير المباشر في القرار.
وهنا يبرز التحول الأكثر حساسية عندما تصبح الخوارزمية شريكًا فعليًا في تحديد “من” و”متى” يتم استهدافه.
جدل أخلاقي بشأن استخدامه
منذ إطلاقه، أثار “ميفن” جدلًا واسعًا، ليس فقط داخل الأوساط العسكرية، بل أيضًا في مجتمع التكنولوجيا.
وقد بلغ هذا الجدل ذروته عندما انسحبت شركات كبرى من المشروع، اعتراضًا على استخدام تقنياتها في العمليات القتالية.
القلق الرئيسي يتمحور حول تقليص دور الإنسان في اتخاذ القرار.
فبينما لا تزال هناك إشرافات بشرية، فإن طبيعة هذه الإشرافات تتغير، حيث يصبح دور الإنسان أقرب إلى الموافقة على توصيات النظام، بدلًا من صياغتها.
التوتر بين شركات التكنولوجيا والمؤسسات العسكرية يعكس صراعًا أوسع بين القيم الأخلاقية والضرورات الاستراتيجية. ففي حين تسعى بعض الشركات إلى وضع قيود على استخدام تقنياتها، ترى الجيوش أن هذه القيود قد تضعف قدرتها على المنافسة في بيئة دولية متسارعة.
هذا الصراع أدى إلى إعادة تشكيل التحالفات، مع صعود شركات مستعدة للعمل في المجال العسكري، مقابل تراجع أخرى.
تكاليف الحرب على إيران في ظل استخدام ميفن
في ظل التصعيد العسكري المرتبط بإيران، تشير تقديرات إلى أن تكلفة اليوم الواحد من العمليات الجوية المكثفة قد تتراوح بين 300 إلى 500 مليون دولار، خاصة مع استخدام الطائرات المتقدمة وحاملات الطائرات في المنطقة.
هذه الأرقام تعكس فقط العمليات المباشرة، دون احتساب تكاليف الدعم اللوجستي أو البنية التحتية الرقمية.
وعند النظر إلى تكلفة الضربات الفردية، يتضح حجم الإنفاق بشكل أكبر.
فإطلاق صاروخ موجه بدقة مثل “توماهوك” قد تصل تكلفته إلى نحو 1.5 إلى 2 مليون دولار للصاروخ الواحد، بينما قد تتجاوز تكلفة الطلعة الجوية الواحدة لطائرة مقاتلة من طراز متقدم مثل F-35 حوالي 30 إلى 40 ألف دولار في الساعة. ومع تنفيذ مئات الطلعات يوميًا، يمكن أن تصل التكلفة اليومية للطيران فقط إلى عشرات الملايين.
في المقابل، يساهم استخدام نظام “ميفن” في تقليل بعض هذه التكاليف عبر تحسين دقة الاستهداف، وتشير تقديرات عسكرية إلى أن تقليل نسبة الضربات غير الفعالة بنسبة 10% فقط قد يوفر ما يقارب 50 إلى 100 مليون دولار أسبوعيًا في العمليات واسعة النطاق، وهو ما يعكس قيمة الذكاء الاصطناعي من زاوية اقتصادية بحتة.
لكن هذا التوفير يقابله استثمار ضخم في التكنولوجيا نفسها، فتكلفة تطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية، بما في ذلك “ميفن”، تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا.
وتشير أرقام الميزانية الأمريكية إلى أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي العسكري تجاوز 1.8 مليار دولار سنويًا في السنوات الأخيرة، مع توقعات بزيادته بشكل كبير مع توسع استخدام هذه الأنظمة في العمليات الفعلية.
إلى جانب ذلك، تفرض البنية التحتية الرقمية تكلفة مستمرة، حيث تحتاج الأنظمة مثل “ميفن” إلى مراكز بيانات ضخمة ومعالجة سحابية عالية الأداء. وتشير تقديرات خبراء إلى أن تشغيل هذه البنية خلال نزاع واسع قد يضيف ما بين 10 إلى 20 مليون دولار شهريًا كتكاليف تشغيلية مباشرة، تشمل التخزين، المعالجة، وأمن البيانات.
وفي المحصلة، تكشف هذه الأرقام أن الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي لم تصبح أرخص، بل تغير شكل تكلفتها.
فبينما قد تقل بعض النفقات التقليدية، فإن إجمالي تكلفة الصراع قد يتجاوز عشرات المليارات من الدولارات خلال أشهر قليلة، خاصة في حال استمرار العمليات بوتيرة عالية. وهنا يظهر “ميفن” ليس كأداة لتقليل التكلفة، بل كعامل يعيد تشكيل كيفية إنفاقها.