في خضم التصعيد المتسارع بين إيران والولايات المتحدة، لم تعد المواجهة تقتصر على التحركات العسكرية التقليدية أو الرسائل السياسية، بل انتقلت إلى مستوى أكثر خطورة وتأثيرًا استهداف البنية التحتية للطاقة.
فمع كل ضربة تطال مصفاة نفط أو حقل غاز في الخليج، لا تتأثر دولة بعينها فقط، بل يهتز سوق الطاقة العالمي بأكمله، وترتفع تكلفة الصراع على جميع الأطراف.
هذا التحول يعكس طبيعة جديدة للحروب في الشرق الأوسط، حيث أصبحت منشآت النفط والغاز أهدافًا استراتيجية قادرة على تحقيق تأثير فوري يفوق في بعض الأحيان نتائج العمليات العسكرية المباشرة. وبينما تتبادل الأطراف الضربات، تتكشف معادلة معقدة من الخسائر والمكاسب، تدفع دول الخليج ثمنها اقتصاديًا بشكل مباشر، في حين تجني قوى أخرى فوائد غير مباشرة من اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار.
في هذا السياق، يحاول هذا التقرير تفكيك مشهد “حرب الطاقة” الدائرة، عبر رصد أبرز الهجمات التي استهدفت منشآت النفط، وتحليل آثارها بالأرقام، وفهم كيف أعادت هذه الضربات رسم موازين القوة والمصالح بين القوى الإقليمية والدولية، في صراع لم تعد حدوده جغرافية، بل امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره.
هجوم 14 سبتمبر 2019
البداية الفعلية لتحول منشآت الطاقة إلى أهداف استراتيجية تعود إلى هجوم 14 سبتمبر 2019 على منشآت شركة أرامكو السعودية في بقيق وخريص.
في ذلك اليوم، تعطل نحو 5.7 مليون برميل يوميًا من إنتاج النفط، وهو ما يعادل قرابة 5% من الإمدادات العالمية.
لم يكن التأثير محليًا فقط، بل قفزت أسعار النفط عالميًا بنحو 20% خلال ساعات، في أكبر صدمة لسوق الطاقة منذ عقود.
هذا الحدث أعاد تعريف قواعد الاشتباك لم تعد البنية التحتية النفطية مجرد هدف ثانوي، بل أصبحت نقطة ضغط مركزية قادرة على إرباك الاقتصاد العالمي بضربة واحدة.
منذ ذلك الحين، تكررت الهجمات بدرجات متفاوتة، سواء عبر طائرات مسيّرة أو صواريخ، مستهدفة منشآت في السعودية والإمارات والعراق.
وتشير تقديرات مراكز بحثية إلى وقوع آلاف الهجمات غير المباشرة خلال الفترة بين 2016 و2021، كثير منها استهدف مرافق طاقة أو بنى تحتية مرتبطة بها،هذا النمط من “الاستنزاف منخفض الكثافة” حافظ على حالة توتر دائم دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
2026 مرحلة مختلفة
لكن مع تصاعد التوترات في عام 2026، دخلت المنطقة مرحلة مختلفة تمامًا. لم تعد الهجمات متفرقة، بل أصبحت جزءًا من موجة تصعيد متبادل.
تقارير متعددة أشارت إلى استهداف مصافٍ رئيسية وحقول نفطية في الخليج، من بينها مرافق حيوية في شرق السعودية، ما أدى إلى تعطّل ما يقرب من 1.9 مليون برميل يوميًا من طاقة التكرير.
وفي الوقت نفسه، تأثرت إمدادات الغاز، بما في ذلك منشآت في قطر، التي تمثل لاعبًا رئيسيًا في سوق الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
الأثر لم يقتصر على دولة بعينها، في العراق، على سبيل المثال، تضرر جزء كبير من الإنتاج الجنوبي، وهو ما يمثل العمود الفقري لصادرات البلاد النفطية. أما في الخليج عمومًا، فقدرت بعض التقديرات أن الإنتاج تراجع بملايين البراميل يوميًا خلال فترات التصعيد، وهو ما انعكس فورًا على الأسواق العالمية.
في المقابل، لم تكن إيران بمنأى عن الاستهداف، أو عن ضربات طالت مواقع مرتبطة بصادرات النفط، من بينها جزيرة خرج، التي تُعد المنفذ الرئيسي لتصدير الخام الإيراني، حيث تمر عبرها النسبة الأكبر من صادرات البلاد.
هذا التبادل في استهداف البنية التحتية للطاقة يعكس معادلة واضحة كل طرف يحاول ضرب قدرة الطرف الآخر على التمويل والاستمرار.
النتيجة المباشرة لهذه الهجمات كانت تقلبات حادة في أسعار النفط.
الأسواق، بطبيعتها الحساسة، تتفاعل فورًا مع أي تهديد للإمدادات، خاصة في منطقة يمر عبرها نحو 20% من تجارة النفط العالمية من خلال مضيق هرمز.
ومع كل تصعيد، تعود المخاوف من سيناريوهات أكثر خطورة، قد تدفع الأسعار إلى مستويات قياسية تتجاوز 200 دولار للبرميل، وفق بعض وسائل إعلام أمريكية.
من المستفيد من هذا التصعيد؟
في هذا السياق، يبرز سؤال أساسي من المستفيد من هذا التصعيد؟ بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن ارتفاع أسعار النفط يحمل جانبًا إيجابيًا، خاصة مع تحولها إلى أحد أكبر منتجي الطاقة في العالم. كل زيادة في الأسعار تعني أرباحًا إضافية لشركات النفط والغاز الأمريكية، فضلًا عن تعزيز موقعها كمصدر بديل لأوروبا، التي تسعى لتقليل اعتمادها على مصادر أخرى.
كما أن التوترات الإقليمية تفتح الباب أمام صفقات تسليح ضخمة، حيث تسعى دول الخليج إلى تعزيز دفاعاتها الجوية وحماية منشآتها الحيوية. هذه الصفقات تمثل مصدر دخل مهم للصناعات الدفاعية الأمريكية، وتكرس في الوقت نفسه الاعتماد الأمني لتلك الدول على واشنطن.
أما إسرائيل، فإن أي إضعاف اقتصادي لإيران يُنظر إليه كمكسب استراتيجي، فالعقوبات والضربات التي تستهدف قطاع الطاقة الإيراني تقلل من الموارد المالية التي يمكن أن تُستخدم في دعم حلفاء طهران في المنطقة.
إلى جانب ذلك، فإن اضطراب أسواق الطاقة قد يعزز من أهمية بدائل إقليمية، بما في ذلك مشاريع الغاز في شرق المتوسط.
على الجانب الآخر، تستخدم إيران ما يمكن وصفه بـ“سلاح الطاقة” بشكل غير مباشر، فتهديد الملاحة في مضيق هرمز أو استهداف منشآت الطاقة في دول الجوار يرفع تكلفة أي مواجهة عسكرية ضدها، ويدفع المجتمع الدولي إلى الضغط لتجنب التصعيد. بمعنى آخر، حتى في ظل الخسائر، تحاول طهران تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة ضغط استراتيجية.
دول الخليج الأكثر تضررًا
لكن الطرف الأكثر تضررًا يظل دول الخليج المنتجة للطاقة، فهذه الدول تعتمد بشكل أساسي على صادرات النفط والغاز كمصدر رئيسي للإيرادات.
أي تعطّل في الإنتاج أو التصدير ينعكس مباشرة على الميزانيات العامة، ويؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات في فترات قصيرة، كما أن استهداف البنية التحتية يفرض تكاليف إضافية لإعادة الإعمار وتعزيز الحماية.
حرب البنية التحتية
استهداف منشآت الطاقة لا يبدو مجرد ردود فعل عشوائية، بل يدخل ضمن ما يُعرف في أدبيات الأمن القومي بـ“حرب البنية التحتية الحرجة”.
هذا النوع من الحروب يهدف إلى شل قدرة الدولة على الاستمرار اقتصاديًا دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة.
وفي حالة الشرق الأوسط، تمثل منشآت النفط والغاز الهدف المثالي، نظرًا لاعتماد اقتصادات المنطقة عليها بشكل شبه كامل، فضلًا عن تأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي.
وكالة بلومبرج الأمريكية تشير إلى أن نمط الهجمات خلال السنوات الأخيرة اتسم بدرجة عالية من “الانتقائية الاستراتيجية”.
فالهجمات لا تستهدف دائمًا أكبر المنشآت، بل غالبًا ما تركز على نقاط الاختناق في سلسلة الإنتاج، مثل مراكز المعالجة أو التكرير أو التصدير.
هذه المقاربة تعني أن تعطيل منشأة واحدة قد يؤدي إلى وقف إنتاج حقل كامل، وهو ما يفسر كيف يمكن لهجمات محدودة نسبيًا أن تتسبب في تعطيل ملايين البراميل يوميًا.
من ناحية أخرى، تكشف أنماط التوقيت عن بعد سياسي واضح،ففي كثير من الحالات، تتزامن الهجمات مع مفاوضات دولية أو توترات دبلوماسية، ما يشير إلى استخدامها كأداة ضغط.
على سبيل المثال، ارتفاع وتيرة الهجمات خلال فترات التوتر بين إيران والولايات المتحدة يعكس محاولة لتعديل موازين التفاوض ميدانيًا، عبر رفع تكلفة التصعيد على جميع الأطراف، وليس فقط الخصم المباشر.
كما يبرز عامل “الإنكار المعقول” كعنصر أساسي في هذا النوع من الصراعات. فغالبية الهجمات تُنفذ عبر وكلاء أو باستخدام وسائل يصعب تتبعها بشكل قاطع، مثل الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة أو الصواريخ قصيرة المدى.
هذا الأسلوب يمنح الأطراف المنفذة هامشًا واسعًا للمناورة، حيث يمكنها تحقيق تأثير استراتيجي دون تحمل مسؤولية مباشرة، وهو ما يقلل من احتمالات الرد العسكري الشامل.
في السياق نفسه، تشير تقديرات أمنية إلى أن تكلفة الهجوم على منشأة نفطية قد لا تتجاوز بضعة آلاف أو ملايين الدولارات، في حين أن الخسائر الناتجة قد تصل إلى مليارات خلال أيام قليلة.
وأخطر ما تكشفه هذه التطورات هو قابلية التصعيد غير المحسوب، فاستهداف منشآت الطاقة، رغم كونه أداة ضغط فعالة، يحمل في طياته خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع، خاصة إذا أدى إلى خسائر بشرية كبيرة أو تعطيل طويل الأمد للإمدادات العالمية. وفي ظل تشابك المصالح الدولية في المنطقة، فإن أي تصعيد خارج السيطرة قد لا يظل إقليميًا، بل قد يتحول بسرعة إلى أزمة عالمية تمتد آثارها إلى أسواق المال والتجارة والطاقة في مختلف أنحاء العالم.
من الرابح والخاسر؟
في سياق التصعيد الحالي بين إيران والولايات المتحدة، تتحمل دول الخليج العبء الاقتصادي الأكبر نتيجة استهداف منشآت الطاقة بشكل مباشر. تشير تقديرات أولية إلى أن الهجمات التي طالت مصافي وحقول نفطية في المنطقة أدت إلى تعطّل ما بين 1.5 إلى 2 مليون برميل يوميًا من الإنتاج والتكرير، وهو ما يعادل خسائر يومية تتراوح بين 120 و160 مليون دولار عند متوسط سعر 80 دولارًا للبرميل. هذه الأرقام لا تشمل التكاليف غير المباشرة، مثل ارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات النفطية، والتي قفزت في بعض الحالات بنسبة تتجاوز 30%، ما يزيد الضغط على ميزانيات الدول المنتجة.
في المملكة السعودية تحديدًا، تمثل أي خسارة في الإنتاج تهديدًا مباشرًا للإيرادات العامة، حيث تعتمد الميزانية بشكل كبير على صادرات النفط. ومع تعرّض منشآت حيوية لهجمات متكررة، تشير مجلة فورين بوليسي إلى أن الخسائر الإجمالية بين فقدان إنتاج وتكاليف إصلاح وتعزيز أمني قد تتجاوز عدة مليارات من الدولارات خلال أسابيع قليلة فقط.
الوضع لا يختلف كثيرًا في الإمارات العربية المتحدة، حيث يؤدي أي اضطراب في سلاسل التصدير أو الشحن إلى تعطيل تدفقات مالية حيوية، خاصة مع ارتباط عقود الطاقة بأسواق عالمية حساسة للوقت.
في المقابل، تحقق الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية واضحة من هذا التصعيد، رغم انخراطها السياسي والعسكري.
ارتفاع أسعار النفط نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات يدعم شركات الطاقة الأمريكية، حيث تشير تقديرات إلى أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل يمكن أن تضيف ما بين 50 إلى 70 مليار دولار سنويًا إلى قطاع الطاقة الأمريكي ككل. كما ارتفعت صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا بشكل ملحوظ، في ظل سعي الدول الأوروبية لتأمين مصادر بديلة ومستقرة، ما يمنح واشنطن نفوذًا اقتصاديًا إضافيًا في سوق الطاقة العالمي.
أما إسرائيل، فتستفيد بشكل غير مباشر من إضعاف القدرات الاقتصادية لإيران، فاستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، أو تعطل صادراتها، يعني تقليص الموارد المالية التي يمكن استخدامها في دعم نفوذها الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، يؤدي اضطراب الإمدادات في الخليج إلى رفع القيمة الاستراتيجية لمشاريع الغاز في شرق المتوسط، التي تسعى إسرائيل إلى توسيعها، سواء عبر التصدير أو عبر شراكات إقليمية. كما أن استمرار التوتر يعزز من الطلب على التكنولوجيا الأمنية والدفاعية الإسرائيلية، خاصة في مجالات حماية البنية التحتية، وهو ما يترجم إلى مكاسب اقتصادية وعسكرية طويلة المدى.