في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل مؤخرًا، كشفت تقارير صحفية دولية عن تداخل لافت بين السياسة والبيزنس على أعلى مستوى، حيث ظهرت عائلة الخياط السورية كلاعب رئيسي في مشهد معقد يجمع بين صفقات بمليارات الدولارات، وضغوط داخل الكونجرس الأمريكي، وعلاقات مباشرة مع عائلة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، القصة لا تتوقف عند حدود الاستثمار أو إعادة الإعمار، بل تفتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول حدود النفوذ، وكيف يمكن للمصالح الاقتصادية أن تتقاطع مع قرارات سياسية مصيرية، في وقت تحاول فيه سوريا إعادة بناء ما دمرته الحرب.
عقارات ساحلية في سوريا تحت اسم ترامب
في الصيف الماضي، جلس النائب جو ويلسون، الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية، في مكتبه في مبنى الكابيتول منصتاً باهتمام شديد بينما كان مستثمرون من الشرق الأوسط يعرضون خططهم في مكالمة فيديو لتطوير عقارات ساحلية في سوريا، تتمثل في ميناء للسفن السياحية، نادٍ للبولو، معرض سيارات بوغاتي، ملعب غولف عالمي المستوى'.
فبينما كان محمد الخياط، وهو رجل أعمال سوري الأصل ذو نفوذ، يطرح الاقتراح، كان إخوته يفوزون بأكثر من 12 مليار دولار من العقود التي ترعاها الحكومة الأمريكية لإعادة بناء قطاع واسع من الاقتصاد السوري المدمر.
لكن كانت هناك عقبة، فقد احتاج آل خياط إلى خدمة كبيرة من الكونجرس بدعم من الرئيس ترامب، وهي الرفع الدائم للعقوبات المشددة المفروضة على سوريا قبل سقوط الرئيس بشار الأسد في أواخر عام 2024، في هذا الوقت قدم النائب الجمهوري 'ويلسون'، وهو محامٍ سابق في مجال العقارات ومؤيد لإلغاء العقوبات، اقتراحاً تكتيكياً.
حيث قال ويلسون اقتراحاً لآل الخياط: 'أعرف كيف أجذب انتباه الرئيس. سأجعلها ملعب غولف وطني لترامب في سوريا'، حينها قاطعه محمد الخياط متقدماً بخطوة با وقال إنه كان يخطط لاقتراح منتجع يحمل علامة ترامب التجارية.

عائلة ترامب تسيطر على اقتصاد الشرق الأوسط
لطالما كان هذا المزج بين الشؤون الشخصية والدبلوماسية هو السائد في دول الشرق الأوسط، حيث سيطرت مجموعة صغيرة من الفاعلين تاريخياً على زمام الأمور واستفادت من دورها المهيمن في المجتمع. لكن هذا أصبح أيضاً أسلوب عمل واشنطن في ولاية السيد ترامب الثانية.
إن المناقشات التجارية التي تشمل عائلة الرئيس، سواء كانت مقتصرة على ملعب الجولف أو منتتجع ألبانيا مع كوشنر، فإنها تتداخل باستمرار مع قرارات السياسة المهمة أو المفاوضات الهامة بين الدول.
وقد أدى ذلك إلى نظام مشوه للرعاية التنفيذية حيث يتبرع المستثمرون بملايين الدولارات لمشاريع الرئيس المفضلة، أو يستثمرون جنباً إلى جنب مع عائلة ترامب، على أمل تحقيق أهدافهم السياسية، حتى لو لم يتم تقديم أي طلب صريح بذلك.
في الواقع، يؤكد البيت الأبيض ومنظمة ترامب أنهما لم يكونا على علم بمنتجع ترامب المقترح للجولف في سوريا، وقالت منظمة ترامب إنه لم تكن هناك أي مناقشات جارية.
ورفض مسؤولو البيت الأبيض أي تلميح إلى أن المناقشات العقارية المتعلقة بعائلة ترامب كان لها أي تأثير على خيارات الرئيس في السياسة الخارجية المتعلقة بسوريا.

إلغاء العقوبات على سوريا واجتماع الدوحة مع كوشنر
عاد محمد الخياط إلى واشنطن أواخر العام الماضي حاملاً حجراً تذكارياً خاصاً احتفاءً بملعب الغولف المقترح، نُقش عليه شعار عائلة ترامب، وقدّمه إلى النائب ويلسون في مكتبه بمبنى الكابيتول ليُسلّمه إلى البيت الأبيض، ثم انضم الخياط إلى اجتماعات مع مشرّعين آخرين للضغط من أجل إلغاء العقوبات، وبعد أسابيع، حظي تشريع الإلغاء الدائم بموافقة الكونجرس ووقعه ترامب ليصبح قانونياً في أواخر ديسمبر.ثم اجتمعت عائلتا ترامب وخياط في مطعم إيطالي في الدوحة عام 2022، حيث كانت إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر في قطر لحضور مباريات كأس العالم لكرة القدم، وتناولا العشاء في مطعم كاربون الدوحة، وهو فرع من مطعم مدينة نيويورك في الدوحة.
واتضح أن رامز الخياط وعائلته لا يملكون مطعم كاربون الدوحة فحسب، بل يملكون جميع المطاعم على طول ذلك الشارع الواقع على جزيرة اصطناعية بنتها العائلة في غضون ستة أشهر فقط ، بناءً على طلب العائلة المالكة القطرية ، لإنشاء منطقة ترفيهية لكأس العالم، وحينها بدأ آل كوشنر وآل خياط في تبادل تاريخهم كأبناء مطورين عقاريين، إلى جانب أحلامهم للمستقبل.
حيث انتقل رامز وإخوته إلى قطر بشكل دائم في عام 2011، وقد طورت عائلة الخياط علاقة مع العائلة المالكة القطرية، وقاموا ببناء قصر لقضاء العطلات على قمة جبل خارج دمشق.
كان هذا أحد المشاريع البارزة العديدة التي تصدرت عناوين الصحف للعائلة، بما في ذلك حادثة غريبة عندما قامت عدة دول مجاورة بفرض حصار على قطر في عام 2017، حيث نقلت آلاف الأبقار جواً لتزويد الدولة الصغيرة الغنية بالنفط بالحليب ومنتجات الألبان الأخرى، على الرغم من نجاحهم في قطر، لم يتخل آل خياط عن آمالهم في العودة إلى سوريا بأي شكل من الأشكال.
صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط
وقد استعان كوشنر مؤخراً بصناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط، بما في ذلك تلك القادمة من قطر، لإنشاء شركة أسهم خاصة بقيمة 3 مليارات دولار بعد أن شغل منصباً في البيت الأبيض خلال الولاية الأولى لترامب، والآن، كان يخطط لبناء منتجع فاخر بتكلفة مليارات الدولارات على جزيرة قبالة سواحل ألبانيا، في الواقع، لا يختلف كثيراً عن المنتجع الذي كان يجلس عليه.
تغير الحظ لصالح عائلة الخياط
في أواخر عام 2024، غيّر حدثان هائلان حظوظ عائلة الخياط ومهّدا الطريق أمامهم للقيام بجولات حول العالم فقد أُطيح بالرئيس السوري السابق بشار الأسد، وعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئاسة، وبعد أسابيع، كان رامز وشقيقه الأكبر معتز، في طريقهما إلى حفل تنصيب 'ترامب'.
أثناء وجودهم في واشنطن لحضور الاحتفالات، التقى آل خياط بوالدي كوشنر، كما التقوا بمايكل بولس، زوج تيفاني ترامب، الابنة الصغرى للرئيس، بالإضافة إلى والد بولس، مسعد بولس، الذي ساعد في تنسيق التواصل مع الناخبين الأمريكيين من أصل سوري خلال حملة إعادة انتخاب ترامب.
وقال رامز الخياط، خلال مقابلة أجريت معه مؤخراً، مستذكراً الحدث وحفل العشاء الافتتاحي الذي حضراه: 'تجربة مذهلة.. إنها تجربة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر'.

كان حضور عشاء الشموع يتطلب عادةً تبرعاً لا يقل عن 250 ألف دولار أمريكي لتذكرتين، وقال رامز الخياط إن عدداً من رجال الأعمال الأجانب دُعوا، وإنه وشقيقه الأكبر لم يدفعا ثمن الدعوة.
في الشهر نفسه، سافر أفراد من عائلة خياط إلى دمشق للقاء الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، وكانت عائلة الخياط فرصته لإطلاق هذه المشاريع، وقال رامز الخياط، مستذكراً رسالته إلى الزعيم السوري الجديد: 'نحن مستعدون للتحرك، ومستعدون للتحرك بسرعة'.
سلسلة غير عادية من الصفقات في سوريا
حصلت عائلة الخياط وشركاؤها على صفقة بقيمة 4 مليارات دولار لإعادة بناء المطار المتهالك وتحويله إلى مركز محوري في الشرق الأوسط، وعقد آخر بقيمة 7 مليارات دولار لبناء أربع محطات توليد كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي، كما تفاوضوا على صفقة ثالثة للعمل مع شركة شيفرون الأمريكية لتطوير مواقع حفر الغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط قبالة سواحل سوريا.وقد شجع توماس جيه باراك جونيور، المبعوث الخاص للرئيس إلى سوريا، الأخوين خياط، وانضم إليهما في كل إعلان من هذه الإعلانات، مما أوضح أن إدارة ترامب تدعم هذه المشاريع.

كما قام رامز الخياط بشراء منازل تاريخية في مدينة دمشق القديمة، وهي موقع مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو نظراً لمكانتها كواحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، وذلك بهدف تحويلها إلى وجهة سياحية.
وعلى طول الساحل السوري، كان محمد الخياط يعمل على خطته لمحطة السفن السياحية والمنتجع الذي سيضم ملعب غولف يحمل علامة ترامب التجارية، وهو مشروع سيتم بناؤه على أرض تسيطر عليها الحكومة السورية، لكن كانت هناك مشكلة في كل صفقة من هذه الصفقات، فقد كانت جميعها تعتمد على إلغاء العقوبات الأمريكية بشكل دائم.
وذلك لأن البنوك الدولية والمستثمرين الآخرين لن يلتزموا برأس المال اللازم لتمويل هذه الجهود ما لم يتم التأكد من أنه بمجرد إلغاء العقوبات التي تم إقرارها بموجب قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019 ، لا يمكن 'إعادة فرضها' مرة أخرى.
أكبر عقبة انتهت بدبلومسية ملعب الجولف
في مايو، رفع الرئيس ترامب العقوبات مؤقتاً بعد اجتماع في الرياض مع الشرع وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي حثّ ترامب على ذلك، حيث يرغب السعوديون في المشاركة في إعادة إعمار سوريا.لكن سوريا، ومستثمرين مثل عائلة خياط، كانوا لا يزالون بحاجة إلى قانون من الكونجرس لجعل الأمر دائمًا. وهنا اصطدموا بأحد أعضاء مجلس النواب الذي برز كأكبر عقبة.


ظل النائب برايان ماست، الجمهوري عن ولاية فلوريدا ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، قلقاً من أن إلغاء جميع العقوبات المفروضة على سوريا قد يجعل الأقليات العرقية والدينية هناك عرضة للاضطهاد والمذابح المستمرة.
بلغت المواجهة ذروتها في 9 نوفمبر، في الليلة التي سبقت اجتماع ترامب مع السيد الشرع - وهي أول زيارة لرئيس دولة سوري إلى البيت الأبيض منذ أن نالت البلاد استقلالها عن فرنسا عام 1946.
في فندق سانت ريجيس، الذي يقع على بعد ثلاثة مبانٍ من البيت الأبيض، انضم ماست وأعضاء آخرون في الكونجرس، بمن فيهم ويلسون، إلى الشرع لتناول عشاء خاص.
كانت لحظة غريبة، كما يتذكر السيناتور ريتشارد بلومنتال، الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، وأحد الحاضرين، ففي نهاية المطاف، كان الشرع عضواً سابقاً في تنظيم القاعدة في العراق، وقد استهدف القوات الأمريكية في الموصل بشكل مباشر قبل عقدين من الزمن والآن يطلب المساعدة، وكان ماست، وهو جندي سابق في الجيش الأمريكي فقد ساقيه كلتيهما في عام 2010 أثناء خدمته كفني إبطال مفعول القنابل في أفغانستان، غير متأكد مما إذا كان بإمكانه الوثوق بالشرع، فسأله في العشاء: 'هل لم نعد أعداء؟' فأجاب الشرع بأنه يريد 'تحرير' أمته من الماضي، كما ذكر ماست في جلسة استماع بمجلس النواب في فبراير.
بعد العشاء الذي جمع بين الحزبين مع المشرعين، تم ترتيب اجتماع ثانٍ في وقت متأخر من الليل على عجل مع ماست و الشرع، والذي ضم الخياط وصديقه السوري نعمة، حسبما ذكر المشاركون في الاجتماع.
نهاية العقوبات على سوريا
مع نهاية المحادثات في تلك الليلة، غيّر ماست موقفه،و كان مستعداً لدعم إلغاء العقوبات دون وجود بند يسمح بإعادة فرضها بسرعة.
وأوضح وجهة نظره المعدلة في وقت لاحق من ذلك الشهر عندما تحدث من قاعة مجلس النواب، وقال: 'إننا نمنح سوريا فرصة لرسم مستقبلها ما بعد الأسد'.
قبل مغادرتهما واشنطن، قدم الخياط 'حجر الأساس' لملعب الغولف المقترح لترامب إلى ويلسون والنائب مارلين ستوتزمان، الجمهوري عن ولاية إنديانا، ويرمز الحجر المنقوش عليه عبارة 'نادي ترامب الدولي للغولف، سوريا'، إلى ما وصفه السيد الخياط بأنه 'رمز للفرص الاقتصادية الأمريكية المستقبلية في سوريا'.
ولتمرير قانون رفع العقوبات علي سوريا تم إدراج إلغاء العقوبات في صفحتين داخل التشريع الذي يجب إقراره من الكونجروس والذي يسمح بإنفاق ما يقرب من تريليون دولار سنوياً على البنتاجون، وذلك على صفحتين داخل قانون مكون من 1260 صفحة،ووقع ترامب على الاتفاقية في 18 ديسمبر 2025، أي بعد عام تقريباً من سقوط الأسد.
أين سيكون مكان ملعب جولف ترامب في سوريا
تسلك قوافل القوات الروسية بانتظام الطريق السريع المحلي على طول ساحل شمال سوريا، في طريقها إلى قاعدة جوية قريبة لا تزال روسيا تسيطر عليها، وعلى مقربة منها، يوجد تمثال مُسقط للرئيس السوري السابق حافظ الأسد، والد بشار الأسد، وقد كُسرت إحدى ذراعي التمثال، وغُرز وجهه في الوحل، بعيدًا عن الطريق السريع، على حافة البحر الأبيض المتوسط بالقرب من مدينة اللاذقية الساحلية، تزرع العائلات الملفوف والباذنجان وورق العنب ومحاصيل أخرى في واحدة من أكثر المناطق خصوبة في سوريا، هذا هو موقع ملعب الغولف الذي يأمل ترامب في إنشائه.
وفي الوقت نفسه، تستمر الأموال الأجنبية من مستثمرين مثل عائلة الخياط في التدفق إلى سوريا، وهي معروضة في مطار دمشق، حتى في الوقت الذي تدور فيه حرب في أماكن أخرى في الشرق الأوسط، تعمل مجموعة من الآلات على هدم ما تبقى من مبنى مطار يعود إلى حقبة الستينيات لصالح مشروع عائلة الخياط.
بالإضافة إلى ذلك، حصل محمد الخياط مؤخراً على ترخيص ليكون المستورد الحصري للعلامات التجارية التي تصنعها شركة المنتجات الاستهلاكية الأمريكية العملاقة SC Johnson، مثل أكياس Ziploc، وبخاخ الحشرات Raid، ومعطرات الجو Glade، والتي لم يكن من الممكن بيعها مباشرة في سوريا حتى تم إلغاء العقوبات.
وفي سياق منفصل، في ألبانيا، يسير مشروع جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب الضخم على شاطئ البحر بخطى سريعة أيضاً.
في البداية، كان من المقرر أن تقتصر مهمة عائلة خياط على إدارة أعمال البناء في المنتجع، لكن خلال العام الماضي، بالتزامن مع تصاعد الضغوط لفرض العقوبات، تغيرت مسار المفاوضات، وفقًا لما ذكره مسؤولون تنفيذيون مشاركون في الصفقة، وقد قرر كوشنر وعائلة خياط أن يصبحوا شركاء في المشروع.
سافرت إيفانكا ترامب إلى هناك في يناير للقاء رامز الخياط في اجتماع مع مهندسين معماريين ومسؤولين تنفيذيين آخرين لمناقشة التصاميم المحتملة، وحضر الاجتماع إيدي راما، رئيس وزراء ألبانيا.
قال رامز الخياط: 'نستثمر في الشركة القابضة لضمان وجود رأس مال كافٍ، لذا فهي مشروع مشترك بين الشركتين، ونحن في الواقع نديرها معًا'، وهناك أيضاً حديث عن انضمام عائلة الخياط إلى كوشنر للقيام بمشاريع عقارية في سوريا، نظراً لرفع عقوبات قيصر.