تشهد أسواق الغذاء العالمية موجة ارتفاع جديدة، بعدما سجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» 136 نقطة خلال سبتمبر 2026، ليسجل أعلى مستوى له منذ نوفمبر 2022، مرتفعًا بنسبة 1.5% مقارنة بأغسطس و5.8% على أساس سنوي.
وجاء الصعود مدفوعًا بشكل أساسي بارتفاع أسعار الحبوب والسكر والزيوت النباتية، في ظل اضطرابات حركة التجارة والشحن في مناطق رئيسية، إلى جانب تأثيرات الطقس والمخاوف المرتبطة بظاهرة «النينيو».
وارتفع مؤشر أسعار الحبوب بنسبة 5.1% خلال سبتمبر، بينما صعد السكر 6.1% والزيوت النباتية 0.9%، حيث تُثير هذه التطورات تساؤلات حول انعكاس ارتفاع الأسعار العالمية على الأسواق المصرية، خاصة في ظل اعتماد البلاد على واردات كبيرة من بعض السلع والحبوب.
انعكاس الزيادة على السوق المحلية
في هذا الصدد، قال الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، إن وصول مؤشر أسعار الغذاء العالمية لأعلى مستوياته في 4 سنوات يعود لعدد من الأسباب، موضحًا أن الارتفاع الحالي ليس مجرد موجة عابرة بل هو نتاج أزمات هيكلية مرشحة للاستمرار إذا لم تتدخل القوى الكبرى بحلول جذرية.
وعن الأسباب الرئيسية وراء هذا الارتفاع وهل هو مؤقت أم مستمر، قال «غراب»، في تصريحات خاصة لـ «أهل مصر»، إن هناك أسبابا رئيسية تقف وراء القفزة، أولها التغيرات المناخية الحادة والجفاف الذي ضرب سلاسل الإمداد في كبرى الدول المنتجة للقمح والذرة وفول الصويا، وثانيها ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالميا بسبب التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر والشرق الأوسط، وثالثها ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، ورابعها زيادة الطلب العالمي خاصة من آسيا، مؤكدا أن الارتفاع مرشح للاستمرار حتى نهاية الربع الأول من العام المقبل على الأقل، ولن يتراجع إلا بتحسن الأحوال المناخية وتهدئة الصراعات.
وحول انعكاس الزيادة العالمية على السوق المصرية والسلع الأكثر عرضة للتأثر، أوضح الخبير الاقتصادي، أن السوق المصرية بطبيعتها سوق مستوردة لجزء من احتياجاتها، وبالتالي أي ارتفاع عالمي سينعكس جزئيا على السوق المحلي، لافتا إلى أن أكثر السلع عرضة للتأثر هي التي نستوردها بكميات كبيرة كالقمح وزيوت الطعام والذرة الصفراء المستخدمة كأعلاف وفول الصويا، بينما السلع التي حققت مصر فيها اكتفاء ذاتي كالخضروات والفاكهة والأرز والدواجن والبيض ستكون أقل تأثرًا.
وبشأن تأثير الارتفاع على فاتورة الاستيراد ومعدلات التضخم، أشار «غراب» إلى أن فاتورة استيراد الغذاء لمصر قد ترتفع بنسبة ما خلال الفترة المقبلة إذا استمرت الأسعار العالمية على نفس الوتيرة، وهذا سيضع ضغطا إضافيا على معدلات التضخم، لكنه أكد أن هذا التأثير سيكون محدودا ومؤقتا بفضل الإجراءات التي تتخذها الدولة للسيطرة على الأسواق.
وأكد أن مصر تمتلك مقومات قوية تمكنها من امتصاص الصدمة وتقليل تأثيرها على المستهلك، وعلى رأسها المخزون الاستراتيجي الآمن من السلع الأساسية الذي يكفي من 6 إلى 9 أشهر تنفيذا لتوجيهات القيادة السياسية، بالإضافة إلى التوسع في الرقعة الزراعية عبر مشروعات الدلتا الجديدة ومستقبل مصر وتوشكى، وتعدد المناشئ الاستيرادية وعدم الاعتماد على مصدر واحد، واستمرار الدولة في طرح السلع بأسعار مخفضة عبر منافذ التموين وأمان ومعارض أهلا رمضان.
وعن السيناريوهات المتوقعة عالميا وما يجب على مصر فعله، كشف «غراب»، أن السيناريو الأقرب هو استمرار التذبذب والارتفاع الطفيف حتى منتصف 2026، ثم بدء الانخفاض التدريجي مع دخول المحاصيل الجديدة، مطالبا الحكومة المصرية بضرورة الاستمرار في زيادة المخزون الاستراتيجي، وتسريع الإفراجات الجمركية عن السلع الغذائية، وتشديد الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار، ودعم الفلاح المصري وتوسيع التعاقدات الزراعية لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد، وهذا هو الحل الجذري لحماية السوق المحلي من أي موجات تضخمية عالمية قادمة.
اضطرابات التجارة والمناخ تضغط على أسعار الغذاء عالميًا
قال الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي، إن الارتفاع الأخير في مؤشر «الفاو» يعكس تداخل مجموعة من العوامل، وليس سببًا واحدًا، مشيرًا إلى أن اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن، إلى جانب الظروف المناخية غير المواتية في بعض مناطق الإنتاج، تضغط على المعروض العالمي وتدفع الأسعار إلى الصعود.
وأوضح خبير الاقتصاد الزراعي، أن ارتفاع أسعار الحبوب يمثل عنصرًا مهمًا بالنسبة للأسواق، نظرًا لدخول القمح والذرة في العديد من الصناعات الغذائية والأعلاف، وبالتالي فإن زيادة تكلفتهما قد تنعكس بصورة غير مباشرة على أسعار منتجات أخرى. وأشار إلى أن ارتفاع أسعار السكر والزيوت النباتية يزيد أيضًا من الضغوط على تكلفة إنتاج وتصنيع عدد كبير من السلع الغذائية.
وأضاف «صيام» أن استمرار الارتفاع العالمي لفترة طويلة قد يفرض تحديات أكبر على الدول التي تعتمد على الاستيراد لتوفير جزء من احتياجاتها الغذائية، مؤكدًا أن تعزيز الإنتاج المحلي وزيادة كفاءة التخزين وسلاسل التوريد يمثلان أدوات مهمة لتقليل تأثر السوق المحلية بالتقلبات الخارجية.
ولفت إلى أن مصر تمتلك قاعدة إنتاج زراعي مهمة، كما أن زيادة إنتاج بعض المحاصيل الاستراتيجية يمكن أن تساعد في تقليل جزء من مخاطر الأسواق العالمية، إلا أن التعامل مع موجات الأسعار يتطلب أيضًا تنويع مصادر الاستيراد ومتابعة الأسواق الدولية بصورة مستمرة.