ads
ads

حكومة على المقاس العربي.. "آيزنكوت" أمام اختبار الـ19 مقعدًا

 الكنيست الإسرائيلي
الكنيست الإسرائيلي

لم يعد موقف الأحزاب العربية في إسرائيل تفصيلًا هامشيًا في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، بل تحول إلى أحد مفاتيح المعادلة البرلمانية بعد الانتخابات التي جرت في 27 أكتوبر، فبعد تكليف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج، في 7 نوفمبر، زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة، برزت الأحزاب العربية باعتبارها كتلة قادرة على التأثير في فرص نجاحه، بعدما حصدت مجتمعة 19 مقعدًا في الكنيست، في نتيجة غير مسبوقة وفق التقارير المنشورة.

لكن هذا الوزن البرلماني لا يعني اتفاقًا عربيًا على شكل الحكومة المقبلة أو طبيعة العلاقة معها؛ فهناك اختلاف بين القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس، والقائمة المشتركة، بشأن حدود التعاون مع آيزنكوت، وشروط المشاركة، وما يمكن الحصول عليه مقابل منع عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم. وفي المقابل، يواجه آيزنكوت تناقضًا سياسيًا واضحًا: فهو يحتاج إلى الأصوات العربية لتجاوز عتبة الأغلبية، لكنه يطرح شروطًا أيديولوجية وسياسية تجعل الشراكة المباشرة معها موضع خلاف داخل معسكره نفسه.

19 مقعدًا عربيًا.. كيف تغيرت خريطة الكنيست؟

أفرزت انتخابات 27 أكتوبر برلمانًا منقسمًا لا يمتلك فيه أي معسكر أغلبية مستقرة. ووفق الأرقام التي أوردتها وكالة أسوشيتد برس، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لأحزاب المعارضة اليهودية، بينما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعدًا: 11 للقائمة المشتركة، و8 للقائمة العربية الموحدة «راعم».

وتحتاج أي حكومة إلى ثقة 61 نائبًا على الأقل من أصل 120 عضوًا في الكنيست. وبذلك، فإن انضمام النواب العرب أو تقديمهم دعمًا برلمانيًا لآيزنكوت قد ينقل معسكره من 48 مقعدًا إلى 67، أي أعلى بستة مقاعد من عتبة الأغلبية.

وتكشف المقارنة عن مفارقة مهمة: نتنياهو يمتلك كتلة أكبر من كتلة آيزنكوت بين الأحزاب اليهودية، لكنه لا يستطيع الوصول إلى الأغلبية بمفرده. أما آيزنكوت، فرغم تقدمه في توصيات التكليف، يحتاج إلى تفاهمات مع أطراف لا يتفق بعضها معه على شكل الحكومة ولا على هوية شركائها.

القائمة المشتركة: دعم لإسقاط نتنياهو لا شيك على بياض

أعلنت القائمة المشتركة، التي تمتلك 11 مقعدًا، يوم 5 نوفمبر توصيتها بتكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة. وجاء القرار بالإجماع بعد مشاورات داخل مكوناتها، لكنه لم يكن إعلانًا عن الانضمام إلى ائتلاف حكومي بقيادته.

وشرحت القائمة أن قرارها يستهدف منع عودة نتنياهو وحكومته، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن معسكر آيزنكوت لم يقدم بعد ما يكفي من الالتزامات لمواجهة سياسات الحكومة السابقة، ومكافحة التحريض ضد المواطنين العرب، واحترام شرعية خياراتهم السياسية.

وكان رئيس القائمة يوسف جبارين قد شدد على أن دعم آيزنكوت لا يعني التخلي عن المطالب المتعلقة بالمساواة، فيما طرح النائب أحمد الطيبي استعداد القائمة لتوفير دعم من خارج الائتلاف، بما يسمح بتمرير الحكومة دون المشاركة في تشكيلتها الوزارية.

وتضمنت مطالب ممثلي القائمة قضايا متعددة، من بينها العنف والجريمة داخل المجتمع العربي، وأزمة السكن، وهدم المنازل، والتحريض ضد العرب، إلى جانب الاعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية. وبذلك، يبدو أن القائمة تحاول تحويل أصواتها البرلمانية إلى ضمانات سياسية واجتماعية ملموسة، بدل الاكتفاء بتغيير رئيس الحكومة.

«راعم».. انفتاح أكبر على المشاركة في الحكومة

على الجانب الآخر، اتخذت القائمة العربية الموحدة «راعم»، بقيادة منصور عباس، موقفًا أكثر انفتاحًا على التعاون مع آيزنكوت، إذ أوصت هي الأخرى بتكليفه تشكيل الحكومة، وأبدت استعدادًا لمناقشة المشاركة فيها أو تقديم الدعم لها من الخارج.

ويستند موقف عباس إلى تجربة حزبه السابقة في المشاركة بالائتلاف الحكومي الإسرائيلي عام 2021، عندما انضم إلى حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد، في خطوة مثلت سابقة بارزة لحزب عربي مستقل في ائتلاف حاكم بإسرائيل. وقد تبنى عباس آنذاك نهجًا يقوم على انتزاع مكاسب مدنية واقتصادية للمجتمع العربي من خلال المشاركة السياسية المباشرة.

وبعد الانتخابات الأخيرة، وصف عباس المواطنين العرب بأنهم «جسر»، داعيًا إلى عدم هدم هذا الجسر، في إشارة إلى ضرورة إبقاء قنوات التعاون مفتوحة. كما قال إن تشكيل حكومة جديدة يمكن أن يكون أفضل من استمرار الحكومة السابقة، وإن مشاركة حزبه قد تجعل الحكومة أكثر انتباهًا للقضايا الأمنية وتحسن مكانة إسرائيل.

لكن هذا الانفتاح لا يعني قبول جميع شروط آيزنكوت، ولا يثبت أن «راعم» حسمت قرارها النهائي بشأن دخول الائتلاف؛ فالتوصية بتكليف مرشح بتشكيل الحكومة تختلف قانونيًا وسياسيًا عن توقيع اتفاق ائتلافي أو التصويت على حكومته بعد تشكيلها.

أربعة شروط من آيزنكوت.. أين تقع نقطة الخلاف؟

تتضح صعوبة التفاهم عند النظر إلى الشروط الأربعة التي أعلنها آيزنكوت للأحزاب الراغبة في الانضمام إلى حكومته، وتشمل الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، واعتبار حركة حماس تنظيمًا إرهابيًا، والاعتراف بوثيقة الاستقلال، وإقرار الخدمة العسكرية.

هذه الشروط تضع الأحزاب العربية أمام اختبار سياسي معقد، خصوصًا شرط الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، الذي ترى القائمة المشتركة أنه يتعارض مع تصورها لمكانة المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، ومع مطلب المساواة الكاملة بينهم وبين المواطنين اليهود.

أما شرط الخدمة العسكرية، فيفتح ملفًا شديد الحساسية بالنسبة إلى الأحزاب العربية، التي ترفض قطاعات واسعة من جمهورها التجنيد الإلزامي في الجيش الإسرائيلي. كما أن اشتراط الاعتراف بحماس تنظيمًا إرهابيًا يضع الأحزاب أمام موقف سياسي يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وليس بمجرد تفاوض على ميزانيات أو ملفات خدماتية.

ووفق ما نقلته 'سي ان ان' عن مراسلها في فلسطين، رفضت القائمة المشتركة مجمل الشروط المطروحة، بينما قد تكون القائمة الموحدة أكثر استعدادًا للتعامل مع بعضها، وهو ما يجعل الموقف العربي غير موحد في مواجهة آيزنكوت.

ليبرمان.. عقبة داخل معسكر آيزنكوت

لا تأتي العقبات من الأحزاب العربية وحدها؛ فداخل معسكر المعارضة اليهودية توجد خلافات حول إمكانية الاعتماد على النواب العرب. ويبرز أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، باعتباره أحد أبرز المعارضين لهذا الخيار، رغم وجود حزبه ضمن معسكر المعارضة الذي أوصى بآيزنكوت.

وتشير تقارير صحفية إلى أن ليبرمان يرفض تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية، وهو موقف يضع آيزنكوت أمام معادلة صعبة: فإذا اعتمد على الأصوات العربية، فقد يخسر دعم أطراف يهودية داخل معسكره؛ وإذا استبعدها، فسيحتاج إلى البحث عن شركاء آخرين أو صيغة سياسية بديلة.

وتظهر الأرقام حجم المشكلة: توصية 67 نائبًا بآيزنكوت لا تعني أن لديه 67 صوتًا مضمونًا لمنح الثقة لحكومته. فالتوصيات الرئاسية تحدد المرشح الذي يحصل على فرصة تشكيل الحكومة، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى اتفاق ائتلافي أو أغلبية برلمانية ثابتة.

ماذا تعني الأرقام؟ ثلاثة سيناريوهات أمام الحكومة الجديدة

تضع الخريطة البرلمانية آيزنكوت أمام ثلاثة مسارات رئيسية:

1. حكومة بدعم عربي من الخارج: يحصل آيزنكوت على دعم النواب العرب دون منحهم حقائب وزارية، مع تفاهمات حول قضايا المجتمع العربي. وهذا المسار قد يقلل الخلاف داخل معسكره، لكنه لا يضمن استمرار الدعم عند كل تصويت.

2. حكومة ائتلافية بمشاركة أحزاب عربية: وهو الخيار الذي قد يتيح تمثيلًا مباشرًا للقائمة الموحدة أو أطراف عربية أخرى، لكنه يصطدم بشروط آيزنكوت واعتراض ليبرمان وبعض القوى اليهودية المعارضة.

3. حكومة وحدة أو تفاهمات مع أحزاب دينية: قد يحاول آيزنكوت استقطاب أحزاب من معسكر نتنياهو، أو تشكيل حكومة واسعة تتجاوز الانقسام الحالي، لكن هذا المسار يحمل خلافات بشأن التجنيد الإلزامي للأحزاب الحريدية والتحقيق في الإخفاقات الأمنية.

وحصل آيزنكوت على توصية 67 نائبًا لتكليفه، مقابل 46 أوصوا بنتنياهو، بينما امتنع سبعة نواب عن التوصية بأي منهما. ومن المقرر أن يحصل المكلف على 28 يومًا لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديد المهلة 14 يومًا إضافية. وإذا فشل، يمكن للرئيس تكليف مرشح آخر، أو الدخول في إجراءات قد تنتهي بانتخابات جديدة.

هل تتحول الأحزاب العربية إلى شريك في الحكم؟

تكشف المواقف الحالية أن الأحزاب العربية لا تتعامل مع تكليف آيزنكوت باعتباره تفويضًا مفتوحًا، بل فرصة سياسية مرتبطة بحسابات محددة، فالقائمة المشتركة تركز على الدعم من الخارج وانتزاع ضمانات تتعلق بالمساواة ومكافحة الجريمة ووقف التحريض وهدم المنازل، بينما تترك «راعم» الباب مفتوحًا أمام مشاركة حكومية أكثر مباشرة.

وفي المقابل، لا يبدو أن آيزنكوت حسم شكل العلاقة التي يريدها مع الأحزاب العربية؛ فالشروط التي وضعها تتجاوز التفاهمات البرلمانية إلى قضايا الهوية والخدمة العسكرية والصراع الفلسطيني، بينما يحتاج حسابيًا إلى أصوات هذه الأحزاب لتأمين أغلبية مريحة.

وبالتالي، فإن المعركة الحقيقية لا تتعلق فقط بمن سيحل محل نتنياهو، وإنما بطبيعة الدور الذي ستلعبه الأحزاب العربية في النظام السياسي الإسرائيلي: هل تظل قوة برلمانية تمنح الدعم من الخارج مقابل ضمانات مدنية وسياسية، أم تنتقل إلى المشاركة المباشرة في الحكومة؟

الإجابة ستتوقف على قدرة الأطراف على التوصل إلى صيغة تجمع بين شروط آيزنكوت ومطالب الأحزاب العربية واعتراضات حلفائه المحتملين. وحتى الآن، المؤكد أن الأحزاب العربية تمتلك 19 مقعدًا، وأن توصياتها ساهمت في وصول آيزنكوت إلى التكليف؛ أما تحول هذا الوزن الانتخابي إلى شراكة حكومية فعلية، فما زال موضع تفاوض واختبار.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً