أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، أن السر وراء وجود آيات قرآنية تُفهم بمجرد سماعها، وأخرى تستدعي الوقوف طويلاً للتفكر فيها، يكمن في ثنائية مذهلة وصف الله تعالى بها كتابه الكريم وهي "الإحكام والتشابه"، موضحا أن هذا التنوع ليس مجرد صفة لغوية، بل هو "معراج للعقول وتزكية للنفوس".
وخلال لقاء في برنامج "حديث المفتي" المذاع عبر قناة "dmc"، قدم شرحا مبسطا وعميقا لهذه الثنائية القرآنية، مقسما إياها إلى أربع نقاط رئيسية تُبرز الإبداع الإلهي في كتاب الله.
وأوضح "عياد" أن النقطة الأولى تتمثل في "الإحكام العام"، حيث إن القرآن الكريم بناء لغوي وتشريعي متقن لا يأتيه الخلل ولا التناقض. أما النقطة الثانية فهي "التشابه العام"، مشيراً إلى أن المقصود به ليس الغموض، بل التماثل في الحسن والإعجاز والبلاغة، ليكون القرآن معجزة مستمرة من سورة الفاتحة إلى سورة الناس.
وفي سياق تفصيله للنقطتين الثالثة والرابعة، بيّن المفتي الفرق بين الآيات "المحكمات" و"المتشابهات"؛ موضحاً أن "المحكمات" تمثل خريطة ترسم الطريق الواضح، وهي أصول الدين وقواعد الأخلاق التي لا يختلف عليها اثنان ولا تحتاج لتأويل، وتُعد بمثابة الأرض الراسخة للمؤمن. بينما تمثل "المتشابهات" الأفق الواسع ومساحة الاجتهاد والاختبار، وهي الآيات التي تحتمل وجوهاً في التفسير أو تتعلق بغيبيات استأثر الله بعلمها.
وشدد مفتي الجمهورية على أن الآيات المتشابهات لم توضع لإنزال الحرج أو المشقة بالمكلفين، بل هي اختبار للتسليم والإيمان، ودعوة صريحة للعلماء والعقول الكبيرة للبحث والاجتهاد واستخراج كنوز القرآن، ليبقى غضاً طرياً يعطي كل جيل ما يناسب عقله وزمانه.
واختتم "عياد" حديثه بالتأكيد على أن القرآن الكريم بهذا التوازن الفريد يبني "الإنسان الكامل"، الذي يجمع بين السير بنور الوضوح في التشريعات، والوقوف بأدب التعظيم أمام أسرار الخالق، مضيفاً: "من فهم الإحكام استقام، ومن تدبر التشابه آمن وازداد يقيناً بأن هذا الكلام لا يمكن أن يكون من صنع بشر"، داعيا الله تعالى أن يجعل الأمة ممن يعظمون محكم القرآن ويؤمنون بمتشابهه وينالون شفاعته.