كاراكاس – يُتوقّع أن تدخل فنزويلا مرحلة شديدة الحساسية في أعقاب الضربة الأميركية، في ظل إرث طويل من التدهور الاقتصادي، والانقسام السياسي، والأزمة الإنسانية التي جعلت البلاد واحدة من أكثر الدول معاناة من انعدام الأمن الغذائي في العالم. وتقدّر منظمات دولية أن ملايين الفنزويليين سيبقون خلال المرحلة المقبلة معتمدين جزئياً أو كلياً على المساعدات الإنسانية، مع محدودية قدرة الدولة على تلبية الاحتياجات الأساسية.
سياسياً، تشير التوقعات إلى أن الجدل حول شرعية النظام سيتجدد بقوة، مستنداً إلى مسار طويل من الطعن في الانتخابات، بدأ منذ ما بعد عهد هوغو تشافيز، وتكرّس خلال سنوات حكم نيكولاس مادورو. ومن المرجّح أن تعود أطراف دولية ومعارضة داخلية إلى التذكير بانتخابات 2020 و2024، وبإقصاء شخصيات معارضة بارزة، باعتبار ذلك جزءاً من أزمة حكم لم تُحل جذرياً.
اقتصادياً، تبدو البلاد مرشحة لمزيد من الضغوط، حتى في حال عدم توسّع العمليات العسكرية. فسنوات سوء الإدارة، والانخفاض الحاد في أسعار النفط منذ 2014، والعقوبات الأميركية، تركت فنزويلا في وضع هشّ، مع ناتج محلي إجمالي تقلّص بشكل غير مسبوق، وانكماش القدرة الشرائية، وتدهور الخدمات الصحية والاجتماعية. ويُتوقّع أن يستمر نزيف الهجرة، خصوصاً نحو دول الجوار، ما لم يحدث تحسّن ملموس في الأوضاع المعيشية.
أما النفط، الذي يشكّل جوهر الأزمة، فسيبقى العامل الحاسم في أي سيناريو مقبل. فبرغم امتلاك فنزويلا أكبر احتياطات مؤكدة في العالم، فإن إنتاجها سيظل محدوداً بفعل نقص الاستثمارات والبنية التحتية والعقوبات، مع استمرار الاعتماد الجزئي على استثناءات أميركية، مثل تلك الممنوحة لشركة «شيفرون». ويرجّح خبراء أن يتحوّل النفط مجدداً إلى ورقة تفاوض مركزية، سواء لرفع العقوبات أو لإعادة دمج كاراكاس في الأسواق العالمية بشروط سياسية.
أمنياً، يُنتظر أن يضطلع الجيش الفنزويلي بدور محوري في المرحلة التالية، بعد أن أثبت تماسكه خلال سنوات الأزمة وولاءه للسلطة. ورغم محدودية قدراته مقارنة بالقوة العسكرية الأميركية، فإن الحفاظ على الأمن الداخلي ومنع الانزلاق إلى الفوضى سيضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار صعب، بين حماية الدولة وضبط الشارع المنهك.
وفيما تتهم كاراكاس واشنطن بالسعي للسيطرة على مواردها الطبيعية، لا سيما النفط والمعادن، يُتوقّع أن يتكثف السجال الدولي حول دوافع التدخل وحدوده القانونية، وسط دعوات لإدانته باعتباره انتهاكاً للقانون الدولي، وتحذيرات من تداعياته على حياة الملايين.
في الخلاصة، تبدو فنزويلا مقبلة على مرحلة ما بعد الضربة وهي أكثر هشاشة من أي وقت مضى: شرعية سياسية متنازع عليها، اقتصاد شبه مشلول، مجتمع أنهكته الهجرة والفقر، ودولة «تعوم على بحر من النفط». وبينما تتوارى شعارات مكافحة الفساد أو نشر الديمقراطية في الخطاب المتبادل، يظل «الذهب الأسود» العامل الحاسم في رسم ملامح المستقبل، وفي تحديد ما إذا كانت «فينيتسيا الصغيرة» ستبقى غارقة في أزمتها، أم ستدخل مساراً جديداً يُعاد فيه تقاسم السلطة والثروة.