ads
ads

بعد «كلمة ترامب»… مسار «طوفان الأقصى» من غزة إلى قلب إيران ( تحليل )

ترامب
ترامب

لم تترك تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة مجالاً كبيراً للتأويل، إذ عبّر بوضوح عن دعمه الكامل للمتظاهرين ضد النظام الإيراني، ودعاهم صراحة إلى السيطرة على مؤسسات الحكم، متعهداً بأن «المساعدة في الطريق». وجاء ذلك في وقت كانت فيه القيادة الإيرانية قد طلبت، خلال هذا الأسبوع، استئناف المحادثات النووية مع واشنطن، قبل أن يعلن ترامب رفضه العودة إلى أي مفاوضات، في رسالة فهمت على نطاق واسع بوصفها تهديداً ضمنياً باستخدام القوة العسكرية، بما قد يسرّع مسار إسقاط النظام.

ورغم أن خطوات ترامب كثيراً ما تثير تساؤلات حول دوافعها، فإن خلفية هذا الموقف تبدو هذه المرة أكثر وضوحاً. فالاحتجاجات التي اندلعت في إيران قبل نحو أسبوعين، وإن بدت في ظاهرها نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية، فإن جذورها الأعمق تعود إلى حالة إحباط متراكمة لدى الشارع الإيراني من النظام، ترافقت مع تشجيع سياسي وإعلامي أميركي واضح. ومن دون دعم مباشر من واشنطن، كان ترامب سيبدو وكأنه تخلى عن المحتجين، تاركاً إياهم يواجهون الاعتقال أو القتل. وبعد ما يعدّه أنصاره «نجاحات» في سياسته الخارجية الصدامية أخيراً، يبدو أن ترامب بات مقتنعاً بقدرته على تحمّل مخاطر إضافية.

ومع اتساع الشروخ في التعتيم الإعلامي الذي فرضته السلطات الإيرانية عبر قطع الإنترنت، بدأت صورة القمع العنيف تتكشف تدريجياً. وتشير تقديرات نشرتها وسائل إعلام أميركية إلى أعداد قتلى تتراوح بين ألفي شخص، أي ما يفوق ضحايا الحرب مع إسرائيل في يونيو الماضي، وصولاً إلى نحو 12 ألفاً، في أرقام يصعب التحقق منها بدقة، لكنها تعكس مستوى غير مسبوق من العنف في تاريخ الجمهورية الإسلامية. وتُظهر المقاطع المسربة والمعلومات المتداولة حجم المجازر، بما قد يدفع شرائح أوسع من المجتمع إلى كسر حاجز الخوف والمجازفة بمواجهات جديدة مع قوات الأمن.

غير أن المعضلة الأساسية أمام الاحتجاجات تبقى في غياب قيادة معارضة منظمة وقادرة على توجيه الشارع. ويدرك صانعو القرار في واشنطن هذه الثغرة، ما دفعهم إلى دراسة خيار دعم نجل الشاه الراحل، رضا بهلوي، بوصفه زعيماً محتملاً. وحتى وقت قريب، كان مثل هذا السيناريو يبدو بعيداً عن الواقع السياسي الإيراني. ويبقى السؤال الحاسم متعلقاً بسلوك الأجهزة الأمنية: هل يمكن أن ترفض إطلاق النار على المواطنين أو تنحاز إليهم؟ حتى الآن، لا مؤشرات على ذلك، في ظل إصرار واضح من النظام على سحق الانتفاضة بكل الوسائل.

وتوحي تلميحات ترامب بأن الخيار العسكري مطروح، لكن هذا المسار يواجه تعقيدات كبيرة. أولها الشك في وجود «نقطة حاسمة» يمكن استهدافها لإسقاط النظام من دون اغتيالات مباشرة. وثانيها أن أي حملة فعالة قد تتطلب عملاً عسكرياً طويل الأمد، مع استعدادات واسعة تشمل نشر قوات وطائرات وتعزيز الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، وهي خطوات تحتاج إلى وقت، خاصة أن التطورات الأخيرة جاءت مفاجئة نسبياً للإدارة الأميركية.

وقد يلجأ ترامب إلى خيارات أقل مباشرة، مثل توجيه ضربة جوية رمزية، أو شن هجوم سيبراني واسع، أو اتباع سياسة تصعيد تدريجي بالتوازي مع بناء القوة العسكرية. ورغم أن مثل هذه الخطوات قد تترك، نظرياً، باب العودة إلى المفاوضات مفتوحاً لإجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية في ملف تخصيب اليورانيوم، فإن واشنطن، كما تل أبيب، لا تبدوان مقتنعتين بأن إيران مستعدة فعلاً للتنازل. ومع اتضاح حجم القمع والضحايا، قد يصبح من الصعب على الولايات المتحدة ضبط ردود فعلها. وفي هذا السياق، كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد لمح أخيراً إلى أن نهاية النظام الإيراني قد تكون مسألة أيام.

أما بالنسبة لإسرائيل، فهي لا تبادر حالياً إلى شن هجمات مباشرة على إيران، ولا تلوّح بذلك علناً. غير أن طهران قد تلجأ إلى استهداف حلفاء واشنطن في المنطقة رداً على أي ضربة أميركية، وهو ما قد يطال إسرائيل أيضاً، ما يعني الانزلاق إلى مواجهة عسكرية عنيفة في وقت تكون فيه إيران مكشوفة جوياً، بعد تدمير جزء كبير من منظوماتها الدفاعية الاستراتيجية خلال الأشهر الماضية.

ورغم اللغة الحذرة التي تصدر عن المؤسسات الأمنية الإسرائيلية، فإن الاستعدادات تبدو مكثفة تحسباً لأي تصعيد إقليمي. ومع ذلك، يبقى من الصعب الجزم بما إذا كانت التطورات الراهنة تمثل بداية النهاية للنظام في طهران. فعلى المدى البعيد، يبدو النظام فاقداً لشعبية واسعة ويواجه صعوبات متزايدة للبقاء، لكن ما سيحدث على المدى القريب يتوقف على حجم مشاركة الشارع، وعدد الضحايا، والأهم من ذلك، موقف قوات الأمن.

وبعد مرور أكثر من عامين على ما أطلقت عليه الفصائل الفلسطينية اسم «طوفان الأقصى»، بات واضحاً أن الهجوم المفاجئ على محيط غزة أطلق سلسلة تفاعلات إقليمية عميقة. فمن هزيمة حزب الله في لبنان، إلى سقوط نظام الأسد في سوريا، وصولاً إلى التهديد الوجودي الذي يلوح اليوم أمام النظام الإيراني، تبدو الأحداث وكأنها بدأت بـ«رفرفة جناح» عند حدود غزة، قبل أن تتحول إلى «إعصار» يضرب سماء إيران.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً