في تطور غير مسبوق داخل المعسكر الغربي، أعلنت عدة دول أوروبية، تقودها فرنسا، إرسال قوات عسكرية إلى جزيرة جرينلاند للمشاركة في مناورات وتدريبات عسكرية، في خطوة وُصفت بأنها رد عملي على إعلان واشنطن نيتها ضم الجزيرة الاستراتيجية إلى الأراضي الأميركية. وبحسب تقارير إعلامية أوروبية، فإن التحركات العسكرية الجديدة لا ترتبط هذه المرة بمواجهة تهديدات روسية أو صينية في القطب الشمالي، كما كان الحال في السنوات الماضية، بل تأتي في سياق القلق الأوروبي المتزايد من الطموحات الأميركية تجاه غرينلاند، التي تتمتع بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية.
وكانت العاصمة الأميركية واشنطن قد استضافت، الأربعاء، اجتماعاً جمع مسؤولين أميركيين ودنماركيين وممثلين عن غرينلاند، خُصص لبحث مستقبل الجزيرة، وذلك عقب إعلان البيت الأبيض عزمه ضمها، مبرراً ذلك بمخاوف من احتمال وقوعها مستقبلاً تحت نفوذ روسي أو صيني، إضافة إلى أهميتها للأمن القومي الأميركي. ونقلت صحيفة *كوبنهاغن بوست* عن وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن قوله إن الولايات المتحدة “مصممة” على ضم جرينلاند.
ويمثل هذا التطور تحولاً لافتاً في النظرة الأوروبية لمصادر التهديد، إذ كان الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الدنمارك، يركز في السنوات الأخيرة على الخطر القادم من الشرق في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا، قبل أن يصبح التوتر هذه المرة مع الولايات المتحدة، العضو الرئيسي في حلف شمال الأطلسي. ويرى مراقبون أن هذه الأزمة تعد من أخطر التصدعات داخل الحلف، نظراً لسهولة تحرك واشنطن عسكرياً في الجزيرة دون مقاومة تُذكر.
وفي هذا السياق، عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اجتماعاً طارئاً لمجلس الدفاع، الخميس، ناقش خلاله تطورات ملفي إيران وغرينلاند. ووفق وسائل إعلام فرنسية، تسعى باريس إلى لعب دور قيادي في الجهود الأوروبية الرامية إلى تأكيد الطابع الأوروبي للجزيرة ومنع فرض أمر واقع جديد.
وأفادت صحيفة لوموند بأن فرنسا قررت، بناءً على طلب دنماركي، المشاركة في التدريبات العسكرية المشتركة التي تُجرى في غرينلاند ضمن عملية أُطلق عليها اسم “الصمود القطبي”. وأوضحت قناة *بي إف إم تي في* أن الحكومة الفرنسية أرسلت بالفعل 15 جندياً للمشاركة في هذه التدريبات. كما نقلت وكالة الأنباء الإسبانية إيفي عن وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلس قولها إن مدريد لا تستبعد إرسال جنود إلى غرينلاند “لحمايتها” من الأطماع الأميركية.
في المقابل، بدا الموقف الألماني أكثر تحفظاً، إذ أعلنت وزارة الدفاع الألمانية إرسال فريق استطلاع إلى غرينلاند بالتنسيق مع شركاء في حلف الناتو، لكنها ربطت المهمة رسمياً بما وصفته بـ”التهديدات الروسية والصينية” في القطب الشمالي، دون الإشارة صراحة إلى الطموحات الأميركية. وعلى الجانب الأميركي، واصل الرئيس دونالد ترامب التعاطي مع ملف غرينلاند بأسلوب تصعيدي وساخر في آن واحد، حيث وجّه انتقادات حادة للدنمارك، ونشر تصريحات لافتة بشأن دور الناتو، مؤكداً أن الولايات المتحدة وحدها قادرة على “حماية” الجزيرة. ويحذر مراقبون من أن الأزمة المتصاعدة حول جرينلاند قد تمثل اختباراً حقيقياً لتماسك حلف شمال الأطلسي، وتنذر بمرحلة جديدة من التوتر بين ضفتي الأطلسي، في حال انتقلت الخلافات من المستوى السياسي إلى خطوات ميدانية أكثر تصعيداً.