في تطور لافت يعكس حجم التحولات في العلاقات داخل المعسكر الغربي، كشفت تقارير صحافية عن أن الجيش الكندي وضع تصوراً نظرياً للتعامل مع احتمال غزو عسكري أميركي، مستلهماً في ذلك تكتيكات استخدمتها الحركات المسلحة الأفغانية في مواجهتها للقوات الروسية ثم الأميركية، في سيناريو كان يُعد حتى وقت قريب ضرباً من الخيال السياسي والعسكري.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة The Globe and Mail الكندية، ونقلته «القدس العربي»، فإن الجيش الكندي أعد وثيقة داخلية سرية تتناول كيفية رد أوتاوا المحتمل على تفوق عسكري أميركي كاسح، وذلك في سياق سياسي دولي متوتر تشهده الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي أعادت النظر في انتشارها العسكري العالمي وأبدت طموحات توسعية بدعوى حماية الأمن القومي الأميركي من ما تعتبره تهديدات روسية وصينية.
ويشير التقرير إلى أن هذا التفكير الكندي يأتي في ظل تصريحات متكررة لترمب حول ضم أراضٍ جديدة إلى الولايات المتحدة، من بينها جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، والتي قال إنه يسعى لضمها «بالتفاوض أو بالقوة». ولم تتوقف هذه الطموحات عند هذا الحد، إذ امتدت – وفق ما نُقل عنه – إلى كندا نفسها، سواء بضمها كلياً كولاية أميركية جديدة، أو بإعادة صياغة العلاقة القانونية معها على نماذج شبيهة ببورتو ريكو مع الولايات المتحدة أو اسكوتلندا مع بريطانيا.
وتأخذ كندا هذه التصريحات على محمل الجد، ليس فقط بسبب حدتها، وإنما أيضاً في ضوء التاريخ الأميركي، حيث اكتسبت الولايات المتحدة أجزاءً واسعة من أراضيها عبر القوة أو الشراء، كما حدث في صفقة لويزيانا مع فرنسا، وشراء آلاسكا من روسيا، إضافة إلى محاولاتها الحالية لشراء غرينلاند من الدنمارك وسكانها المحليين.
وفي هذا السياق، أفادت The Globe and Mail بأنها حصلت بشكل استثنائي على وثيقة للجيش الكندي تتضمن نمذجة نظرية لرد فعل محتمل على غزو أميركي. وأكد اثنان من كبار المسؤولين في الحكومة الكندية للصحيفة صحة هذه الوثيقة، موضحين أن جوهر الفكرة يقوم على اعتماد تكتيكات غير تقليدية، شبيهة بتلك التي استخدمها الأفغان في مواجهة جيوش تفوقهم عدةً وعدداً، بدلاً من المواجهة العسكرية التقليدية المباشرة.
وشددت الصحيفة على أن ما جرى إعداده لا يرقى إلى مستوى «خطة عسكرية» مكتملة الأركان، بل يندرج في إطار النمذجة النظرية ودراسة السيناريوهات المحتملة، وهي خطوة أقل أهمية من التخطيط العملياتي الذي يتطلب تصميماً تفصيلياً لكيفية تنفيذ العمليات القتالية.
من جهتهم، حرص عدد من كبار المسؤولين الكنديين على التقليل من دلالات هذه الخطوة، مؤكدين في تصريحاتهم للصحيفة أنهم يستبعدون تماماً أن يصدر الرئيس الأميركي أمراً فعلياً بغزو كندا. كما أشاروا إلى أن العلاقات بين الجيشين الكندي والأميركي لا تزال جيدة، وأن التعاون العسكري قائم في إطار مشاريع دفاعية مشتركة، أبرزها منظومة «نوراد» لمراقبة المجال الجوي لأميركا الشمالية.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن مجرد تفكير الجيش الكندي، ولو نظرياً، في احتمال غزو أميركي، يعكس تحولاً دراماتيكياً في طبيعة العلاقات السياسية والعسكرية بين البلدين، اللذين يُعدّان من أقرب الحلفاء في العالم.
ويبرز هذا القلق في ضوء القدرات العسكرية المحدودة نسبياً لكندا، إذ يبلغ قوام جيشها نحو 100 ألف جندي فقط، بينهم قرابة 70 ألفاً في الخدمة الفعلية و30 ألفاً في الاحتياط. وهو عدد لا يكفي، بحسب الخبراء، لتغطية كامل الاحتياجات الدفاعية للبلاد، فضلاً عن مشاركتها المستمرة في عمليات حفظ السلام في الخارج. ولهذا، تعتمد كندا جزئياً على الولايات المتحدة في الدفاع عن مجالها الجوي وأمنها الاستراتيجي.
ويعيد التقرير التذكير بأن فكرة ضم كندا ليست جديدة في التاريخ الأميركي، إذ شهدت القرون الثلاثة الماضية محاولات وخططاً متعددة في هذا الاتجاه، خصوصاً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ففي عام 1775، وخلال حرب الاستقلال ضد بريطانيا، حاولت القوات الأميركية إقناع الكنديين بالانضمام إلى الدولة الجديدة، إلى درجة أن المسودة الأولى من الدستور الأميركي تضمنت دعوة صريحة لهم للالتحاق بالاتحاد.
كما شهد عام 1812 غزواً أميركياً لكندا انتهى بالفشل العسكري، وفي أعقاب الحرب الأهلية الأميركية، طُرحت عام 1867 دعوات سياسية بارزة لغزو كندا، على خلفية دعم بريطانيا للقوات الجنوبية المتمردة على حكومة واشنطن.
ويرى محللون أن عودة سيناريو الضم الأميركي إلى الواجهة، ولو على مستوى الخطاب، تعيد إحياء هواجس تاريخية راسخة في الوعي الكندي، وتسهم في تعزيز هوية وطنية أكثر تشدداً وحذراً تجاه الجار الجنوبي، في مرحلة تبدو فيها العلاقات بين البلدين أمام اختبار غير مسبوق.