شهدت خارطة الصراع في السودان تحولات ميدانية واستراتيجية كبرى خلال الساعات الماضية، حيث تداخلت العمليات العسكرية الناجحة للجيش والقوات المشتركة في إقليم دارفور مع تصعيد لافت في ولاية جنوب كردفان، وسط رصد لتحركات إقليمية تهدف إلى إعادة رسم توازنات القوة عبر جسور جوية بديلة.
ففي شمال وغرب دارفور، وتحديداً في مناطق "دار زغاوة"، وصلت تعزيزات عسكرية ضخمة دعماً للقوات المرابطة هناك، في خطوة تهدف إلى تأمين المكاسب الميدانية الأخيرة. وبحسب المتابعات، فقد لعب سلاح المسيرات التابع للجيش السوداني والقوات المشتركة دوراً حاسماً في تغيير قواعد الاشتباك، حيث أسهم التدخل الجوي المركز في استعادة السيطرة الكاملة على محليتي "أمبرو" و"كرنوي". وقد أجبرت هذه العمليات قوات الدعم السريع على الانسحاب إلى جنوب "وادي سيرة"، مما أدى إلى استقرار الأوضاع الأمنية وعودة حالة من الاطمئنان بين المواطنين الذين استبشروا بتعزيز الوجود العسكري الشرعي في المنطقة.
وعلى جبهة أخرى لا تقل سخونة، أعلنت "الحركة الشعبية/ شمال" بقيادة عبد العزيز الحلو، عبر بيان رسمي، سيطرتها على مناطق استراتيجية تشمل "التقاطع" و"البلف" و"حجر دليبة" الواقعة على الطريق الحيوي الرابط بين مدينتي الدلنج وكادوقلي بجنوب كردفان. وجاء هذا التقدم عقب هجوم واسع شنته الحركة مدعوماً بمسيرات انتحارية وتنسيق مع مليشيا الدعم السريع، مما أسفر عن سقوط منطقة "كيقا التقاطع". ويرى خبراء عسكريون أن السيطرة على هذا الموقع الاستراتيجي تمثل ضربة قاصمة لخطوط الإمداد، حيث تؤدي فعلياً إلى قطع التواصل الإداري والتنسيق الميداني بين قيادة الفرقة 14 في كادوقلي واللواء 54 في الدلنج، مما يضع القوات المسلحة أمام تحدٍ لوجستي معقد في تلك الولاية.
وفي سياق الدعم الخارجي المثير للجدل، رصدت تقارير استخباراتية وإعلامية تحركاً إماراتياً مكثفاً، حيث تم إرسال ثلاث طائرات شحن عسكرية في يوم واحد من الإمارات إلى ليبيا كقاعدة إمداد متقدمة لمليشيا الدعم السريع. ويقرأ محللون هذا التحرك بوصفه محاولة استباقية من أبوظبي لتحسُّب إغلاق المجال الجوي السعودي أمام رحلاتها الإمدادية، أو كجزء من استراتيجية أوسع لتعويض نفوذها المتقلص في مناطق أخرى مثل اليمن عبر نقل ثقلها العسكري والسياسي بالكامل إلى الساحة السودانية، وهو ما ينذر بإطالة أمد الصراع وتوسيع نطاق التدخلات الإقليمية.
تأتي هذه التطورات الميدانية المتلاحقة لترسم مشهداً معقداً؛ فبينما يحقق الجيش والقوات المشتركة انتصارات استراتيجية في دارفور بفضل تفوق سلاح المسيرات، تبرز ثغرات أمنية في جنوب كردفان نتيجة التحالفات الجديدة بين الحركات المسلحة والدعم السريع، مما يضع السودان أمام مرحلة كسر عظم تتداخل فيها الطموحات الإقليمية بالنزاعات المحلية المحتدمة.