تتواصل الأزمة السودانية منذ أكثر من ألف يوم، وسط تصاعد الصراع بين القوات المسلحة السودانية وميليشيات الدعم السريع، ما أسفر عن تداعيات كارثية على الصعيدين الإنساني والاقتصادي. فقد أدى هذا النزاع إلى نزوح الملايين داخليًا وخارجيًا، حيث اضطر أكثر من 13.6 مليون شخص لمغادرة منازلهم، بينما أصبح أكثر من 33.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة. وفي ظل انهيار النظام الصحي وانتشار الأوبئة مثل الكوليرا والملاريا، توقفت نحو 70% من المنشآت الطبية عن العمل، الأمر الذي فاقم من معاناة المدنيين في الخرطوم وعدة ولايات أخرى مثل دارفور وكردفان، وزاد من حدة التوترات العرقية وانعدام الأمن الغذائي.
وسط هذا الوضع الإنساني المأساوي، أعلنت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة عن مبادرة مشتركة تهدف لكسر الجمود العسكري والسياسي وإيجاد مخرج للأزمة. تركز المبادرة على تأسيس هدنة إنسانية مرحلية تعتبر مدخلاً لإطلاق عملية أوسع لإيقاف القتال، بالإضافة إلى إعادة ترتيب المشهد الأمني والمدني عبر انسحاب قوات الدعم السريع من المدن واستبدالها بقوات شرطية خاضعة للرقابة الدولية. وتشمل المبادرة أيضًا ربط كل مرحلة بتقييم عملي لضمان الالتزام بالاتفاق، مع تأجيل مناقشة الترتيبات السياسية الكبرى حتى تثبيت الهدنة على الأرض.
تُعتبر المبادرة الأخيرة خطوة مهمة في التعامل مع الأزمة السودانية، حيث يُنظر إليها على أنها محاولة لتجاوز أخطاء المبادرات السابقة، التي ركّزت غالبًا على صياغات تفاوضية عامة أو هدَن قصيرة العمر لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة على الأرض. وفي هذا السياق، تهدف الخطوة الحالية إلى تحويل الهدنة إلى واقع عملي قابل للقياس، بما قد يتيح تحقيق استقرار نسبي على الصعيد الأمني قبل الشروع في مناقشة التفاصيل السياسية المعقدة.
ويشير محللون إلى أن التغيير في التركيز من السياسة إلى الأمن يعكس إدراكًا دوليًا بأن الاستقرار الميداني شرط أساسي لأي تقدم سياسي حقيقي، وقد يسهم في إعادة الثقة بين الأطراف السودانية ويهيئ الأرضية لمفاوضات أكثر جدية وواقعية.
مع ذلك، لا يزال موقف الحكومة السودانية الرسمي قيد الدراسة، إذ تستمر المشاورات مع الجانب الأميركي والدولي لتحديد شروط تنفيذ الهدنة بما يضمن ألا تتحول إلى وقف مؤقت للقتال بلا أثر فعلي على الأرض. ويؤكد مراقبون أن نجاح المبادرة يعتمد على قدرة جميع الأطراف على الالتزام بالبنود الأمنية أولًا، مع الاستعداد للانتقال لاحقًا إلى مرحلة سياسية تشمل إعادة هيكلة السلطات وتوزيع الموارد بطريقة تقلل من احتمالات نشوب صراعات جديدة.
ويظل مستقبل السودان غامضًا في الوقت الراهن، إذ يتوقف على قدرة المبادرة على تحقيق نتائج ملموسة في الميدان، والحد من المعاناة الإنسانية، مع الإبقاء على الأمل في حل شامل ومستدام للنزاع.
أشار المراقبون الدوليون إلى أن المبادرة الأخيرة تمثل تحوّلًا واضحًا في أسلوب التعامل مع الأزمة السودانية، حيث أعطت الأولوية للبعد الأمني قبل البعد السياسي، في خطوة تهدف إلى تثبيت الاستقرار الميداني أولًا قبل الانخراط في مفاوضات أوسع حول السلطة والحكم. ويرى محللون أن هذا التركيز على الأمن قد يهيئ الأرضية لتفاهمات أكثر جدية بين الأطراف السودانية المتنازعة، خصوصًا في ظل استمرار التوترات العسكرية والخلافات الإقليمية المحيطة بالملف السوداني.
في المقابل، أبدى آخرون موقفًا أكثر حذرًا تجاه المبادرة، مؤكدين أن المبادرات المتكررة غالبًا ما تنجح في التخفيف من معاناة المدنيين فقط، لكنها لا تعالج جذور النزاع الأساسية، مثل الصراع على الموارد والسلطة بين المكوّنات المختلفة داخل الدولة. ويرى هؤلاء أن أي خطوة نحو السلام المستدام في السودان تتطلب خطة سياسية شاملة تتناول الأسباب العميقة للنزاع، وليس مجرد محاولات لتجميد الصراع مؤقتًا.
في ظل هذه التقييمات المتباينة، يظل مستقبل السودان في حالة من الغموض، مع استمرار المخاطر على الأمن والاستقرار الاجتماعي، وتنامي الحاجة إلى إجراءات دولية وإقليمية مدروسة لدعم الحلول السياسية طويلة الأمد، وضمان حماية المدنيين وإعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات من النزاع والصراعات المسلحة.
وفي ظل هذه التحديات، هناك عدة سيناريوهات محتملة لمسار الأزمة. قد تؤدي الهدنة المرحلية إلى توقف محدود لإطلاق النار يتيح إيصال المساعدات الإنسانية، دون معالجة الانقسامات السياسية العميقة، أو قد ينتج عن التفاوض المحدود ظهور حكومات محلية غير متجانسة تزيد من تعقيد الصراع. أما السيناريو الأفضل فهو أن تتحول الهدنة إلى وقف شامل لإطلاق النار، يليه انسحاب فعلي لقوات الدعم السريع وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ما يفتح المجال لتحقيق استقرار طويل الأمد في السودان.
ويرتبط نجاح المبادرة السعودية – الأميركية بشكل مباشر بتجاوب الأطراف السودانية المحلية، إضافة إلى قدرة المجتمع الدولي على دعم الانتقال من حالة العنف المستمرة إلى عملية تفاوضية حقيقية ومستدامة. وفي حال تحقق هذا النجاح، يمكن أن تشكل المبادرة نقطة انطلاق لإعادة الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي في السودان، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المدنيون، الذين هم في أمسّ الحاجة إلى الأمل والأمان.