يتواصل التوتر بين إيران وإسرائيل ليس فقط على جبهات المواجهة العسكرية أو السياسية، بل أيضاً في عرصتي التجسس والاستخبارات، حيث تحوَّلت العلاقة بين الطرفين عبر عقود من تحالف خفي إلى عداء حاد يمتد إلى عمق الأجهزة الأمنية في كل منهما. وتشير تقارير إلى أن هذا الصراع يمتد على مراحل تاريخية مختلفة، بدأت بتعاون استخباراتي قبل ثورة إيران عام 1979 ثم تحولت إلى صراع مفتوح ومتعدد الأدوات في العقود التالية.
في الخمسينات والسبعينيات من القرن الماضي، كانت العلاقات بين تل أبيب وطهران في سياقها الاستراتيجي مشوبة ببعض التعاون، خاصة تحت حكم الشاه، حيث جرى تبادل المعلومات والمشورة بين أجهزة الاستخبارات الإيرانية والإسرائيلية حول القضايا الإقليمية، ضمن ما كان يُعرف آنذاك بالاتفاقات العسكرية والاستخباراتية المشتركة.
غير أن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 مثلت نقطة انطلاق جديدة نحو العداء، حيث اعتُبرت إسرائيل «عدواً» من منظور طهران الاستخباراتي، ما دفع الطرفين إلى تكثيف جهودهم التجسسية ضد بعضهما البعض. وفي التسعينيات، نقلت كل من إيران وإسرائيل عمليات المخابرات إلى خارج حدود بلديهما، وبات التجسس على شبكات الدعم والمواقع الحساسة جزءاً من أولوياتهم في مواجهة تصاعد التوترات الإقليمية.
مع دخول الألفية الجديدة، أصبحت مسألة البرنامج النووي الإيراني محط تركيز استخباراتي حاد من جانب إسرائيل، التي سعت عبر عمليات سرّية معقدة إلى تعطيل هذا البرنامج وعرقلة تقدمه، بما في ذلك عمليات سيبرانية متعددة وهجمات استهدفت علماء ومسؤولين نوويين. هذه المرحلة من الحرب الاستخباراتية شهدت أيضاً قيام كل طرف بمحاولة تجنيد عملاء داخل أراضي الطرف الآخر لأغراض جمع المعلومات أو تنفيذ مهام سرّية.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة التجسس المتبادل بصورة غير مسبوقة، إذ أعلنت السلطات في تل أبيب عن توجيه لوائح اتهام عديدة لمسؤولين ومواطنين إسرائيليين بتهمة التجسس لصالح إيران، بينما أعلنت أجهزة الأمن الإيرانية عن اعتقال شبكات متهمة بالتعاون مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد). في بعض الحالات، شملت الاتهامات تصوير مواقع عسكرية، نقل معلومات حساسة، أو حتى التخطيط لأعمال تتعلق بالأمن القومي، ما يعكس مستوى النزاع العميق بين أجهزة الاستخبارات في البلدين.
تحوَّل هذا الصراع الاستخباراتي إلى «حرب في الظل» تتجاوز مجرد جمع المعلومات إلى اختراقات سيبرانية، عمليات سرّية داخل الأراضي المعادية، واتهامات متبادلة بالعمل كعملاء، وهو ما يجعل العلاقة بين طهران وتل أبيب إحدى أكثر الصراعات الأمنية تعقيداً في المنطقة والعالم.