تتحرك الدبلوماسية الخلفية في كواليس الدوحة ومسقط وسط حسابات بالغة التعقيد، حيث يبرز "مخزون اليورانيوم عالي التخصيب" كأقوى الأوراق التي تقبض عليها طهران، والمفتاح الأساسي الذي تراهن عليه لكسر طوق العقوبات الاقتصادية الخانقة وإطلاق سراح أصولها المجمدة. ومع وصول مستويات التخصيب الإيرانية إلى عتبة الـ 60% الحساسة لكتلة تقارب نصف طن، تحاول القيادة الإيرانية تحويل هذا الإنجاز التقني إلى رافعة سياسية تفرض عبرها مقايضة واضحة: خفض التخصيب والتخلص من المخزون مقابل رفع القيود المالية والمصرفية واستعادة تدفقات النفط إلى الأسواق العالمية.
غير أن هذه الرغبة الإيرانية تصطدم بجدار صلب من الرفض الصارم في واشنطن؛ إذ يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية تقوم على فصل كلي بين التنازل النووي وتخفيف الضغوط الاقتصادية. ووفقاً للتصريحات والمواقف الأمريكية الأخيرة، فإن واشنطن تستبعد تماماً تقديم أي "إعفاءات مسبقة" أو الإفراج عن الأموال المجمدة لمجرد جلوس طهران على طاولة التفاوض أو إبداء مرونتها بشأن اليورانيوم؛ بل تشترط إطاراً تفاوضياً يبدأ بالتخلص الفعلي والدائم من هذا المخزون عبر آليات رقابية مشددة (سواء بنقله للخارج أو تدميره بالتنسيق مع وكالة الطاقة الذرية) كخطوة أولى واختبار حقيقي للجدية قبل الحديث عن أي انفراجة اقتصادية.
أمام هذه المعادلة الصعبة، تبدو فرص نجاح إيران في استخدام اليورانيوم المخصب كمفتاح تلقائي لرفع العقوبات محفوفة بـمخاطر استراتيجية كبرى؛ فطهران تدرك أن التخلي عن هذه الورقة دفعة واحدة دون ضمانات اقتصادية ملموسة وموثوقة قد يجردها من عنصر الردع التفاوضي الوحيد المتبقي لديها، خاصة بعد الضربات العسكرية التي تعرضت لها بنيتها التحتية ومحورها الإقليمي. وفي المقابل، فإن تمسكها بالمخزون والمماطلة في تسليمه أو تدميره قد يدفع الإدارة الأمريكية وحلفاءها نحو تفعيل الخيارات العسكرية الأكثر خشونة والتشديد الأقصى للحصار البحري والاقتصادي، ما يجعل هذا المخزون بمثابة شعرة تفصل بين تسوية كبرى تنهي الحرب، أو تصعيد عسكري شامل قد يعيد صياغة المنطقة بأكملها.