ads
ads

اليسار العالمي بعد تفكك المعسكر الشرقي.. تحولات بنيوية عميقة تتجاوز مفهوم الأزمة العابرة ( تحليل )

الكرملين
الكرملين

يواجه اليسار العالمي بمختلف تياراته وأطيافه الفكرية أزمة وجودية حادة ممتدة منذ انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث تجاوزت هذه الهزة حدود الكبوة السياسية المؤقتة لتتحول إلى إعادة صياغة بنيوية شاملة هددت منطلقاته الفكرية وقواعده الجماهيرية. فقد تسبب سقوط القطب السوفيتي في حرمان الحركات اليسارية، لا سيما في دول العالم الثالث والشرق الأوسط، من الغطاء الجيوسياسي والسند المادي واللوجستي الذي كان يمثل حائطاً استنادياً في مواجهة تمدد النموذج الرأسمالي والليبرالية الغربية.

وتزامنت هذه الصدمة السياسية مع تحولات هيكلية في طبيعة الاقتصاد العالمي الذي انتقل متسارعاً نحو مجالات المعرفة والخدمات والعولمة العابرة للقارات، مما أدى إلى تآكل الطبقة العاملة التقليدية "البروليتاريا" التي طالما شكلت القاعدة الصلبة للاحتراب الطبقي والعمل النقابي لليسار. هذا التفتت في الكتلة التاريخية الكادحة، مصحوباً بإنكسار سيكولوجي وفكري، جعل الأجيال الجديدة تنظر إلى الطروحات الاشترايكية كإرث ماضوي مرتبط بالبيروقراطية المفرطة والأزمات التموينية، بدلاً من كونها حركة تحررية قادرة على قيادة المستقبل واستيعاب متطلبات العصر.

وفي محاولة للتكيف مع هذا الواقع الجديد والنجاة من العزلة، اندفعت أحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية نحو تبني تكتيك سياسي عُرف بـ"الطريق الثالث" لمصالحة الاشتراكية مع آليات السوق الحرة. إلا أن هذه المقاربة أسفرت عن نتيجة عكسية أفرغت اليسار من مضمونه الاقتصادي، وتحولت تلك الأحزاب إلى نسخ معدلة من اليمين الليبرالي عبر تبني سياسات التقشف والتخلي عن دولة الرفاه؛ مما خلق فجوة ثقة عميقة مع القواعد الشعبية والمهمشين الذين شعروا بأن النخب اليسارية قد تخلت عن قضاياهم الأساسية في بورصة العولمة.

وأمام العجز عن تقديم بديل اقتصادي حاسم للنظام الرأسمالي، انزاح ثقل "اليسار الجديد" في العقود الأخيرة من الحقل الطبقي المالي إلى الحقل الثقافي والاجتماعي، مستبدلاً شعارات عدالة التوزيع بالتركيز على "سياسات الهوية" والدفاع عن حقوق الأقليات وقضايا البيئة والتغير المناخي. ورغم الطابع الإنساني لهذه المعارك، إلا أنها عزلته سياسياً عن عمقه الشعبي التقليدي في الأرياف ومناطق التصنيع، حيث بات يُنظر إلى هذا الطرح كترف فكري تمارسه نخبة أكاديمية معزولة في المدن الكبرى، مما فتح الباب أمام صعود التيارات القومية والشعبوية لاستقطاب الفئات المتضررة من اللامساواة الفاحشة.

وبرغم عمق هذه المعضلات البنيوية، تفيد المؤشرات والأزمات الاقتصادية الدورية المتلاحقة بأن مستقبل اليسار لا يزال منفتحاً على احتمالات التجدد والولادة من رحم الاختلالات الهيكلية للرأسمالية العالمية. ويشير مراقبون إلى أن صعود حركات يسارية شابة في أمريكا اللاتينية وبعض العواصم الغربية يعكس حاجة واضحة لإعادة صياغة الأفكار الاشتراكية؛ وهي صياغة مشروطة بالانتقال من أسر النماذج الشمولية السابقة إلى تقديم مشروع ديمقراطي حديث يربط بكفاءة بين الحريات الفردية وكرامة الإنسان، وبين التوزيع العادل للثروة والسلطة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً