تكشف التطورات السياسية الأخيرة في طهران عن مفارقة استراتيجية بالغة التعقيد، حيث لم يعد مستقبل الاتفاق الذي أنهى الحرب مع الولايات المتحدة رهناً بالتوافق مع الخارج، بل بات معلقاً بصراع محتدم داخل أروقة المؤسسة الإيرانية المتشددة ذاتها. فالاتفاق الذي وُلد من رحم تفاهمات قادها جناح داخل المعسكر المحافظ، يواجه اليوم خطراً وجودياً يتمثل في "تمرد" جناح آخر من المعسكر نفسه، مما يرجح أن بوصلة صمود هذا السلام لن تتحدد بمواقف الإصلاحيين أو القوى الليبرالية، بل بمآلات الصراع الداخلي بين أقطاب التشدد الذين يتبادلون الأدوار بين صانعي اتفاق وناقضين له.
ولعل الاحتجاجات المنظمة التي اجتاحت طهران في أعقاب الإعلان عن بنود التهدئة تقدم دليلاً ملموساً على عمق هذه التصدعات. فلم تكن تلك الحشود التي استهدفت وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مجرد تعبير عن سخط شعبي عفوي، بل كانت رسالة سياسية موجهة من قوى متشددة ترى في التفاوض مع واشنطن خروجاً على "الثوابت". إن اتهام المفاوضين الإيرانيين بالخيانة، وربط معارضتهم للاتفاق بملف مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، يشير إلى أن المعارضة المتشددة تسعى لاستخدام "الرموز السيادية" والذاكرة الانتقامية لتعبئة الشارع ضد أي تقارب مع الغرب، مما يحول الاتفاق إلى ذريعة لتصفية حسابات سياسية داخلية.
إن هذا المشهد يضع الاتفاق في مهب الريح؛ إذ إن تآكل الغطاء السياسي الذي يتمتع به عراقجي وقاليباف يضعف قدرة الدولة الإيرانية على المضي قدماً في تنفيذ الالتزامات المترتبة على الصفقة. ومع تصاعد حدة الخطاب التخويني، يجد المسؤولون الإيرانيون أنفسهم في موقف دفاعي يمنعهم من تقديم مزيد من التنازلات، بل ويدفعهم أحياناً لتبني مواقف أكثر تصعيداً لإثبات "ولائهم الثوري". وبناءً على ذلك، يصبح مراقبة التوازنات داخل "المعسكر المتشدد" هي المفتاح الوحيد لفهم مستقبل السلام؛ فإذا نجحت التيارات الأكثر راديكالية في الانقضاض على الاتفاق، فإن فرص استمرار التهدئة ستتلاشى، مما يعيد المنطقة إلى مربع الصفر ويؤكد أن السلام في إيران يظل رهينة لصراع الأجنحة لا لصراع البرامج السياسية.