تشهد الساحة السياسية والعسكرية في واشنطن معركة محتدمة حول حجم وجاهزية المخزونات الاستراتيجية للذخائر الأميركية، وذلك بالتزامن مع بلوغ المواجهة مع إيران شهرها السادس، وتصاعد الضغوط المرتبطة بمفاوضات تأمين الملاحة في مضيق هرمز. ويأتي هذا الجدل بعد تقارير إعلامية تحدثت عن تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية والبعيدة المدى، مما دفع الإدارة الأميركية إلى شن هجوم مضاد عبر نفي وجود أي أزمات حادة، بهدف حماية قوة الردع الوطنية من أي محاولات إيرانية لاستثمار التسريبات في الضغط التفاوضي.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» ليؤكد أن الولايات المتحدة تمتلك كميات ضخمة من الذخائر، مشيراً إلى أن شركات الدفاع الوطنية تعمل على توسيع خطوط إنتاجها، ومحذراً في الوقت ذاته من عواقب تسريب المعلومات السرية. وجاءت تصريحات ترمب تعقيباً على ما نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بشأن مطالبته وزير الدفاع بيت هيغسيث بتفسيرات واضحة حول حالة المخزون، ونفي البيت الأبيض والبنتاغون لوجود أي خلافات داخلية، رغم أن مؤشرات ميدانية وبيانات بحثية تؤكد وقوع استنزاف واسع في الترسانة العسكرية.
وتشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن العمليات العسكرية المستمرة أدت إلى استهلاك نحو نصف المخزون الأولي من منظومات الدفاع الجوي المتقدمة مثل «باتريوت» و«ثاد»، فضلاً عن استنفاد نحو ثلث مخزون صواريخ «توماهوك» و«جاسام». ورغم أن المحللين يرون أن ما تبقى من مخزونات يظل كافياً للتعامل مع السيناريو الحالي في إيران، إلا أن التحدي الاستراتيجي الأكبر يتمثل في قدرة واشنطن على مواجهة أي أزمات محتملة على جبهات أخرى كالصين أو روسيا، فضلاً عن الوفاء بالتزامات حلفائها العسكريين وفي مقدمتهم أوكرانيا.
ويعكس طلب البنتاغون الأخير للحصول على اعتمادات إضافية ضخمة تتجاوز 67 مليار دولار -بينها أكثر من 18 ملياراً مخصصة للذخائر وحدها- حجم الحاجة الملحة لملء الفجوات العسكرية. وفي ظل استغراق دورات التصنيع والتعاقد العسكري عقبات زمنية تتراوح بين عامين إلى أربعة أعوام لتعويض الفاقد، تحولت أزمة الذخائر إلى مادة للتجاذب الحزبي الداخلي؛ إذ يستغل الديمقراطيون هذه المؤشرات لمساءلة الإدارة عن جدوى التخطيط العسكري، بينما يحمّل المسؤولون الجمهوريون الإدارات السابقة مسؤولية بطء التعويض، مما يضع البيت الأبيض أمام معادلة معقدة توازن بين طموحات الردع وهواجس الاستنزاف في واحدة من أهم المعابر التجارية بالعالم.