أعاد التحول الجذري في السياسة العسكرية الألمانية فتح ملفات التاريخ والهواجس الأمنية في القارة الأوروبية، بعدما تصدرت قضية تسلح برلين واجهات النقاش السياسي والإعلامي. ويبرز هذا القلق جلياً في الأوساط الفرنسية؛ إذ خصصت مجلة «ماريان» الفرنسية غلاف عددها الأخير لملف تحذيري حمل عنوان «حذار... ألمانيا تُعيد التسلح»، متسائلةً عن التبعات الاستراتيجية لهذا المسار على الأمن القومي الفرنسي. ولا يقتصر هذا الاستشعار بالخطر على باريس وحدها، بل يمتد ليشمل بولندا وإيطاليا اللتين تنظران بعين الريبة إلى النزوع الألماني نحو تسريع إعادة بناء قوتها العسكرية، مما ينشر ظلالاً كثيفة من الشكوك حول مستقبل خطط التسلح الجماعي داخل الاتحاد الأوروبي، ورغم مرور أكثر من ثمانية عقود على انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وتعود نقطة التحول الكبرى في السياسة الدفاعية الألمانية إلى أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، حين اتخذت حكومة المستشار السابق أولاف شولتز قراراً تاريخياً بإنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش الألماني، بهدف جعله «أول قوة مسلحة تقليدية في أوروبا». وتوسعت هذه الخطوات في مارس من العام الماضي، حين أقر البرلمان الألماني -قبيل تولي المستشار الحالي فريدريش ميرتس مهام منصبه- تعديلاً دستورياً يتيح رفع سقف العجز في الميزانية؛ لتوفير التمويل المستدام للنفقات الدفاعية وتسريع وتيرة التسلح. وبموجب هذه الإصلاحات التشريعية، تخطط برلين لرفع إنفاقها العسكري ليصل إلى 3.5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، مقارنة بنحو 2.3 في المائة في عام 2025، لتخصص ألمانيا بذلك نحو 152 مليار يورو للدفاع، مسجلةً بذلك أضخم ميزانية عسكرية في أوروبا.
وتكشف لغة الأرقام عن اتساع الهوة المالية بشكل صارخ بين الميزانيات الدفاعية لدول القارة، الأمر الذي يغذي المخاوف الإقليمية؛ ففي العام الحالي، تبلغ ميزانية الدفاع في فرنسا 57.1 مليار يورو مقابل 108.2 مليار يورو لألمانيا. ومع حلول عام 2029، تشير التوقعات إلى بلوغ الإنفاق الألماني نحو 176 مليار يورو، في مقابل 72.8 مليار يورو فقط لفرنسا، مما يعنى أن الفارق المالي سيتجاوز حاجز الـ100 مليار يورو لصالح برلين، مدفوعاً بحجم الاقتصاد الألماني الضخم مقارنة بنظيره الفرنسي، ومتفوقاً بشكل ملحوظ على الميزانيات الدفاعية لكل من بولندا وإيطاليا. وفي سياق تأكيد هذه التوجهات، لخص المستشار فريدريش ميرتس العقيدة الجديدة لبلاده بالقول أثناء زيارته إلى فيلنيوس: «إن الغرض هو تزويد الجيش الألماني بكل الموارد المالية التي يحتاج إليها لكي يصبح أقوى جيش تقليدي في أوروبا».
وفي ظل تحاشي المسؤولين السياسيين في القارة الخوض علناً في هذه الملفات الحساسة حفاظاً على وحدة الصف الأوروبي، جاءت التحذيرات العسكرية صريحة وحاسمة؛ إذ أطلق رئيس الأركان الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، ناقوس الخطر خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ، مؤكداً أن خطر التخلف عن الركب بات حقيقياً، ومحذراً من أنه «إذا واصلت ألمانيا هذا الإيقاع، فبعد 5 سنوات لن تعود الحجة القائلة إننا نتمتع بخبرة عملياتية وبثقافة عسكرية معينة ذات قيمة». ووسط هذه التحولات العميقة، يبرز تساؤل متزايد في عواصم أوروبية عدة عما إذا كانت طموحات ألمانيا العسكرية المتسارعة ستعزز الردع الجماعي لحلف شمال الأطلسي أم ستعيد إحياء التنافس الجيوسياسي التقليدي داخل البيت الأوروبي.