أعاد مقترح حسن هيكل بشأن اللجوء إلى ما يمكن وصفه بـ«المقايضة الكبرى» لتسوية جانب من مديونيات الدولة، من خلال أصول مصرية، من بينها ما طرحه بشأن قناة السويس والأراضي، ملف مقايضة الديون بالأصول إلى الواجهة من جديد.
الفكرة التي طرحها هيكل عبر حسابه على منصة «إكس» تفتح الباب أمام سؤال مهم ، هل سبق لمصر أن استخدمت الأصول لتسوية مديونيات ضخمة؟
الإجابة تقود مباشرة إلى واحدة من أكبر عمليات تسوية الديون داخل مؤسسات الدولة، وهي تصفير المديونية التاريخية للهيئة الوطنية للإعلام «ماسبيرو» لصالح بنك الاستثمار القومي، والتي وصلت إلى نحو 88.3 مليار جنيه.
ورغم الاختلاف الكبير بين مديونية ماسبيرو المحلية وبين ديون الدولة التي يتناولها مقترح حسن هيكل، فإن تجربة الهيئة الوطنية للإعلام تكشف عمليًا كيف يمكن أن تدخل الأصول غير المستغلة ضمن تسوية مالية كبيرة، إلى جانب إسقاط فوائد وتدخل الخزانة العامة لإغلاق المديونية.
88.3 مليار جنيه.. كيف تراكمت ديون ماسبيرو؟
على مدار عقود، تراكمت مديونيات الهيئة الوطنية للإعلام لصالح بنك الاستثمار القومي، حتى أصبحت واحدة من أكبر المشكلات المالية التي تواجه ماسبيرو.
وبحسب البيانات المعلنة بشأن التسوية، وصلت القيمة الإجمالية للمديونية التاريخية إلى نحو 88.3 مليار جنيه، وهي ديون تراكمت منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولم يكن أصل الدين وحده هو المشكلة، إذ تضخمت الأرقام بفعل الفوائد وغرامات التأخير المتراكمة.
ومن هنا لم تعتمد التسوية على سداد عشرات المليارات نقدًا، وإنما جرى التعامل مع مكونات المديونية كل على حدة.
إسقاط 51.4 مليار جنيه من الفوائد والغرامات
كانت الخطوة الأكبر في عملية فك أزمة ماسبيرو هي التعامل مع الفوائد وغرامات التأخير.
وتم الاتفاق على إسقاط نحو 51.4 مليار جنيه من الفوائد والغرامات المتراكمة، وهو ما أدى إلى خفض المديونية بصورة ضخمة قبل الانتقال إلى تسوية الجزء الآخر منها.
وهكذا لم تكن عملية «تصفير» ديون ماسبيرو قائمة على المقايضة بالأصول وحدها، وإنما جاءت ضمن تسوية مالية أوسع شملت إسقاط فوائد، ونقل أصول، وتسوية الفارق المتبقي.
44 أصلًا تدخل المقايضة
بعد معالجة ملف الفوائد، دخلت الأصول غير المستغلة التابعة للهيئة الوطنية للإعلام في قلب التسوية.
وشملت عملية المقايضة نقل ملكية 44 أصلًا غير مستغل إلى بنك الاستثمار القومي.
وتنوعت هذه الأصول بين أراضٍ ومبانٍ ومواقع كانت تستخدم تاريخيًا في محطات الإرسال والتقوية وغيرها من الأصول التابعة للهيئة.
وبلغت القيمة المقدرة لهذه الأصول نحو 18.06 مليار جنيه، ليتم احتسابها ضمن تسوية المديونية المستحقة على ماسبيرو.
من دفع الفارق المتبقي؟
لم يكن إسقاط الفوائد ونقل الأصول كافيًا وحده لإغلاق المديونية بالكامل.
وبعد احتساب ما تم إسقاطه من فوائد وغرامات وقيمة الأصول التي انتقلت ملكيتها، تدخلت الخزانة العامة للدولة لتدبير وتسوية الفارق المتبقي، وصولًا إلى إنهاء الملف وتصفير مديونية الهيئة الوطنية للإعلام.
وهنا تظهر الصورة الكاملة للتسوية 51.4 مليار جنيه فوائد وغرامات تم إسقاطها، و44 أصلًا بقيمة 18.06 مليار جنيه دخلت المقايضة، ثم تمت تسوية الفارق المتبقي بدعم من الدولة.
ماذا كسب ماسبيرو بعد تصفير الديون؟
لم تتوقف نتيجة الاتفاق عند التخلص من رقم ضخم ظل يثقل ميزانية الهيئة لسنوات.
فمع إغلاق المديونية، تم فك الرهن عن حصص الهيئة الوطنية للإعلام في عدد من الكيانات المهمة، ومن بينها حصصها في الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي وشركة نايل سات.
وبذلك أُغلق أحد أكبر ملفات المديونية التاريخية لماسبيرو، وبدأ الحديث عن توجيه موارد الهيئة وأصولها نحو التطوير وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة المالية.
أين يلتقي مقترح حسن هيكل مع تجربة ماسبيرو؟
عودة الحديث عن تجربة ماسبيرو تكتسب أهميتها الآن من توقيت مقترح حسن هيكل بشأن مقايضة الديون بأصول الدولة.
فالقاسم المشترك بين الفكرتين هو استخدام الأصل كجزء من التسوية بدلًا من الاعتماد على السداد النقدي التقليدي وحده.
لكن الفارق جوهري؛ فتسوية ماسبيرو كانت مديونية مستحقة بين جهتين داخل إطار الدولة، ودخلت فيها أصول غير مستغلة تابعة للهيئة، إلى جانب إسقاط فوائد وتدخل الخزانة العامة.
أما طرح حسن هيكل، وفق ما نشره عبر «إكس»، فيتعلق بنطاق أكبر بكثير ويمس مديونيات الدولة وأصولًا ذات طبيعة وقيمة استراتيجية، وهو ما يجعل أي مقارنة بين الحالتين مقارنة في آلية المقايضة من حيث المبدأ وليست تطابقًا في طبيعة الديون أو الأصول أو أطراف التسوية.
ومع ذلك، تبقى تجربة ماسبيرو نموذجًا لافتًا: مديونية وصلت إلى 88.3 مليار جنيه، ظلت تتراكم لعقود، وانتهت دون سداد قيمتها بالكامل بالطريقة النقدية التقليدية؛ بل من خلال حزمة جمعت بين إسقاط الفوائد، ومقايضة أصول غير مستغلة، وتسوية ما تبقى من جانب الدولة.
وبين تجربة ماسبيرو ومقترح حسن هيكل اليوم، يعود السؤال الاقتصادي إلى الواجهة مرة أخرى إلى أي مدى يمكن أن تصبح مقايضة الأصول بالديون أداة لتخفيف أعباء المديونية ؟ وأين يجب أن توضع الحدود عندما يتعلق الأمر بالأصول الاستراتيجية للدولة