في أحد الشوارع الهادئة بمدينة نقادة جنوب محافظة قنا، تجد محل صغير يبدو كأنه خارج من زمنٍ قديم، لم تغيّره السنوات، يوجد به موقد بسيط للفحم، و'نشّاشة' معلّقة في السقف لحفظ المياه والطعام، وراديو عتيق يصدح بأصوات الماضي، جميعها تفاصيل تمنح المكان طابعًا خاصًا وروحًا لا تتكرر.


داخل هذا المحل، يجلس جمال الحجار، كبير مفتشي التموين سابقًا، والذي لم تمنعه سنوات العمل الحكومي من التمسك بمهنته الأصلية، بل واصلها حتى بعد بلوغه سن المعاش، متمسكًا بحرفة ورثها عن والده وجده.


بدأ الحجار رحلته مع سنّ السكاكين في سن مبكر، إذ لم يتجاوز الثالثة من عمره، حيث نشأ وسط أجواء الحرفة، بين صوت احتكاك الحجر بالحديد وشرر السنّ، حتى أصبحت المهنة جزءًا لا يتجزأ من هويته.


ويعتمد الحجار في عمله على أدوات بسيطة، أبرزها حجر سنّ يُجلب من الوجه البحري، إلى جانب بعض المعدات التي شهدت تطورًا محدودًا مع دخول الكهرباء، إلا أن الخبرة والدقة تظل العامل الحاسم في جودة العمل، بحسب قوله.


ويؤكد أن عملية سنّ السكاكين ليست مجرد عمل تقليدي، بل تحتاج إلى مهارة خاصة وإحساس دقيق، لأن أي خطأ قد يؤدي إلى إتلاف الأداة بالكامل.
ويخدم الحجار شريحة متنوعة من الزبائن، من بينهم جزارون وحرفيون وربات منازل ،ويبدأ الحجار يومه مع شروق الشمس، متنقلًا بين مدينة نقادة ومركز قوص، قاطعًا عدة كيلومترات يوميًا، في سبيل ممارسة عمله الذي يعتبره أكثر من مجرد مصدر رزق.
ورغم أن ظروفه كانت تسمح له بالتوقف عن العمل بعد المعاش، فإنه يرفض ذلك، مؤكدًا أن الحرفة بالنسبة له أسلوب حياة لا يمكن التخلي عنه.
ويختتم الحجار حديثه برسالة موجهة إلى الشباب، دعاهم فيها إلى التمسك بالحِرف اليدوية وتعلّمها، مؤكدًا أنها تمثل تراثًا مهمًا يجب الحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة.