ads
ads

صبري الموجي يكتب.. بدل الشهرة .. أمنية طال انتظارها !

صبري الموجي
صبري الموجي

الشكل النهائي للصحيفة الورقية، التي يتلقفها القارئ؛ ليقرأ لكبار الكتاب، ويُتابع عن كثب الأخبار أولا بأول، وراءه جهدٌ كبير لأناسٍ هم الجندي المجهول، الذي يحمل في المعركة كفنَه على يديه، ويجود بالنفس والنفيس من أجل النصر، الذي ما إن يتحقق، يأتي كبارُ المسئولين؛ ليأخذوا اللقطة الأخيرة، وكأنهم هم صانعوه وحدهم!

لا أقصد أبدا تهميش دور القائد في أي مؤسسة أو عمل، ولكني أؤكد، أنّ أيَّ مسئول وراءه كتيبة طويلة عريضة، تصل الليل بالنهار، وتبذل أقصى ما في وسعها لنجاح العمل أيا كان.

وليس من نافلة القول، أنّ مهنة الصحافة من المهن، التي تتعدد فيها المهام، وتتوزع الأدوار، ويساعد الصحفي، الذي يبدو في الصحيفة، وكأنه (السوبر مان) العديدُ من المعاونين، بدءا من مسئول الجمع، الذي يجيد التعامل مع (الكيبورد)، ومبادئ (الوورد)، والذي يقوم بكتابة ما يُرسله المحرر بخط يده على الحاسوب، وهناك مسئول (الماكنتوش)، المسئول عن التنفيذ، والذي يساعد سكرتر التحرير في الإخراج الفني للصحيفة، إضافة، إلى فني المطبعة، وعامل النظافة، ومسئول (البوفيه) وغيرهم، وللجميع دورٌ مهم لا يمكن بحال الاستغناء عنه. ومن بين هؤلاء الجنود المجهولة ( المحرر المراجع)، ويكون من خريجي أقسام اللغة العربية، والذي يراجع المادة الصحفية من حيث اللغة والمضمون، وأزعم أنّ عليه العبأ الأكبر في إخراج الصحيفة في أبهى صورها. ورغما عن هذا فدائما ما يكون هو (كبش الفداء)، و «المربوط، الذي يُضرَب على رأسه؛ ليخاف السايب!».

وجريا وراء قولِ الحقّ في سورة الفرقان: {فاسأل به خبيرا}، بيد أنني عملت بمراجعة التحرير فترة ليست بالقصيرة، أؤكد أنّ فريق هذا العمل أبطالٌ حقيقيون، إذ يقع عليهم العبأ الأكبر، ويُحرَمون من كلّ مذاق للشهرة والذيوع، اللذين يدغدغ الحالمون بالكراسي الوثيرة في إيوان بلاط صاحبة الجلالة مشاعرهم بخصوصهما، ويعدون ـ كذبا ـ بأنّهم سيجعلون أولى أوليات برامجهم صرف بدل الشهرة لهذا الفصيل المسكين، وسرعان ما تنتهي الزوبعة، وينال كلُّ حالم مراده، وتذهب وعوده أدراج الرياح، لاسيما وأنها كانت وعود عرقوب!

ولمن لا يعرف فإنَّ جهد (المحرر المراجع)، لا يقدّره إلا الله، الذي أخبر في محكم التنزيل أنّه لا يُضيع أجر من أحسن عملا. وهؤلاء ـ بحق ـ يعملون ولايريدون من أحد جزاء ولا شكورا، ولكنْ نظرةُ امتنان، وتقدير مادي، أظنُّ أنها ستصنع معهم الفارق، وستدفعم إلى مزيدٍ من العطاء والجهد.

ولمن لا يعرف فجهد (المحرر المراجع)، يحول بين الصحيفة والتصحيف والتحريف، ودون إطالةٍ واستغراق في التعريفات، فالتصحيفُ هو الخطأ الناتج عن تغير النُّقط في حروف الكلمة، مع بقاء رسم الكلمة كما هو، مثل تغيير الباء إلى تاء أو ثاء، أو نون. أمّا التحريف، فهو الخطأ الناجم عن تغيير بنية الكلمة؛ باستبدال حرف بحرفٍ آخر لا يُشبهه. وحيث إنه بالمثال يتضح المقال، أسوق أمثلة؛ لأبين ما يبذله المحرر المراجع من جهد، فمن أمثلة التصحيف قولُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال)، صُحفت (ستا) في بعض الرويات، وكُتبت (شيئا)، ومنه تصحيف كلمة (النُّغير) إلى البعير، في قوله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا عمير: ما فعل النُّغير؟)، والنُّغير هو الطائر الصغير، فصُحّفت إلى البعير، فصارت العبارة: (ما فعل البعير؟) .

أمّا التحريف فمن صوره: تسمية شعبة بن الحجاج (سعدة بن الحجاج)، ومنه: ( عمُّ الرجل .. صنو أبيه)، حُرفت (صنو) إلى (ضيق)، فصارت: (عم الرجل ضيق أبيه)، وفي هذا اختلال في المعنى عظيم.

ويذكر التراث أنّ الخليفة عمر بن عبد العزيز، كتب لعامله على المدينة المنورة أبي بكر محمد بن حزم، يأمره بإحصاء المخنّثين بالمدينة بقوله:(أحصوا المخنثين) أي قوموا بعدهم وتسجيل أسمائهم، فأخطأ الكاتب، ووضع نقطة فوق الحاء (وهو ما يُعرف بالتصحيف)، فصارت (أخصوا)، فجمع الوالي المخنّثين، بناء على الرسالة، وقام بإخصائهم، أي نزع ( بيضتي الذكورة)، فقال (طويس) أحد من أخصوا متهكما: «ما عملتم شيئا فبالخصاء استكملنا الخناث»!

وعودٌ على بدء، أؤكد أنّ مهنة مراجعة التحرير شاقة، ولابد لأصحابها من بدل شهرة، يعوّضهم ما يبذلونه من جهد، وإلا فلا نلوم إلا أنفسنا لو طالتنا يدُ الإخصاء بسبب تصحيفهم أو تحريفهم .. ألا هل بلغت .. اللهمّ فاشهد!

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً