ads
ads

محمد مختار يكتب عن محمد سعد السياسي الماكر الذي لا يفهمه أحد .."تتح" وبناء الوعي ضد الظلم والتطبيع

محمد مختار
محمد مختار

عندما كنت أملُّ من تقعر المثقفين وتصنعهم الفارغ للمعرفة، ومحاولة كل مدعٍ منهم أن يظهر بأنه العليم ببواطن الأمور أكثر من غيره، كنت أشاهد فوراً فيلم "تتح" للفنان محمد سعد. لقد شاهدت فيلم "تتح" عشرات المرات، بل قد شاهدته أكثر من مئة مرة، وفي كل مرة كانت تزيد قناعتي بأن الفنان محمد سعد نجح من خلال تقديمه لشخصية بائع الصحف البسيط الجاهل -الذي يتلعثم في الكلام ويعايره البعض بشكله القبيح- في أن يبني وعي المواطن المصري باستخدام عبارات بسيطة، يبدو بعضها غير مفهوم بكلمات مكسرة ومفردات غير صحيحة لغوياً، ولكن محمد سعد في "تتح" ينجح في أن يصل للفكرة مباشرة، وأن ينقلها للرجل البسيط بشكل يتفوق بكل تأكيد على المثقفين من أصحاب الجمل المصكوكة والفارغة التي لا تصل أبداً للناس. ولكن في الوقت نفسه، لا أحد من الجمهور يفهم هدف محمد سعد الماكر، الذي يبني وبكل ذكاء وعياً لجمهوره دون أن يلاحظ ذلك أحد.

قد يعتبر البعض أن فيلم الممثل المصري محمد سعد "تتح" مجرد تنويعة من منتج على نفس نسيج أفلام سابقة له تستهدف طبقة شعبية باسم شعبي قد يكون محبباً لهم، ولكن في حقيقة الأمر فإنه النسخة المصرية من فيلم المخرج الأمريكي جريج باك "مستر جرين"؛ فـ "تتح" -على الرغم من أنه شخص عادي محدود الثقافة- إلا أنه كان قادراً في كل المواقف على أن ينطق بالحقيقة وبالحكمة التي لا يجرؤ من يعتبرون أنفسهم حكماء على النطق بها. لقد شاهدت هذا الفيلم أكثر من 400 مرة حتى الآن، ولا أزال أشاهده.. وكنت في كل مرة أتوقف عند مشهد "تتح" بائع الصحف وهو يناقش أستاذ الجامعة في المدرج، ويجيب عن السؤال حول المواطنة بأن المواطنة تعني له، ضمن ما تعني، (عيش، والأنبوبة، والدائري بالليل)، وعندما يسخر منه أستاذ الجامعة يشرح له "تتح" كيف أن الناس تتعرض للسرقة على "الدائري"، ولم يشرح أهمية "الأنبوبة" على اعتبار أنها تشير لحق المواطن في الحصول على الطعام والطاقة بثمن في متناول يده بخلاف لقمة العيش. فليس صحيحاً أن الفيلم لإضحاك الناس فقط، بل قام فيه محمد سعد بما قام به "مستر جرين"، وهو الرجل البسيط الذي وجه مواعظ للمجتمع وللسياسيين وحتى للدولة.

إن محمد سعد هو الامتداد الطبيعي للفنان الكبير الراحل محمود شكوكو الذي أبدع لنا فيلم "عنتر وبلبل"، وكان من كلاسيكيات السينما المصرية التي عززت فكرة مقاومة الاحتلال الإنجليزي. ولكن مع ذلك، فإن محمد سعد في فيلم "تتح" يتجاوز "مستر جرين"؛ فقد كانت عند "تتح" الشجاعة ليلقي على الجمهور ما تشبه العظة، خاصة في المشهد الذي يتصدى فيه لظاهرة زواج القاصرات من أثرياء عرب، وفي الوقت نفسه يعيد محمد سعد إلقاء العظة عندما خاطب لواء الشرطة في مشهد اقتحام البنك، وقال له: "والله البلد دي ماشية بالبركة"؛ وذلك رداً على جملة اللواء له بأنه لا يملك خطة لتحرير الرهائن داخل البنك، ثم يعيد العظة للواء مجدداً عندما يقول: "أنا مش عايز حاجة من مصر، بس مصر عايزة مني إيه؟!". ومع ذلك، يصر محمد سعد على أن يرسل للجمهور رسائل لبناء الوعي عندما يواجه الأشرار في الدقيقة الأخيرة من الفيلم تقريباً ويقول لأحدهم في سياق هزلي: (أنت عثماني بينا علاقات قديمة.. أمان يا للي.. لكن دول صهاينة وأنا لا أسمح لبني صهيون إنهم يدخلوا بيتي).

لا يجب أن نخطئ محمد سعد كما يحلو لبعض النقاد وصف أفلامه بالسطحية والتفاهة؛ بداية من سلسلة أفلام "اللمبي" وحتى فيلم "حياتي مبهدلة". ففي كل فيلم من أفلامه يلجأ محمد سعد للتقرب من الطبقات الشعبية، وينقل لهم العظة والدرس، ولكن بطريقة تبدو أسهل في الفهم والمنطق. نذكر له عظة يلقيها أمام القاضي في فيلم "بوحة" عندما يطالب القاضي بأن يبحث عن حل لأزمة المواطن الذي لا يجد لقمة العيش، وكأن "بوحة الصباحي" كان في ذلك الوقت يحذر من ثورة في الطريق، وهي الثورة التي حدثت بالفعل بعد ذلك.

لقد كنت أفكر على الدوام في أن أكتب عن "تتح" وعن محمد سعد، وكنت أتوقع سخرية المثقفين أو أدعياء الثقافة وأدعياء النقد، فقررت أن أكتب في عنوان مقالي عن "تتح" وعن محمد سعد و"مستر جرين" مفردة أو أكثر مما يستخدمها المثقفون المزعومون للدلالة على ثقافتهم الرفيعة؛ وهي مفردات لا يفهمها أحد، ولا يفهمها حتى من يكتبها، ولكن حتى يبدو الناقد مثقفاً وواعياً يجب أن يكتب ما لا يفهمه الناس. فقررت أن أحشر كلمة "فيمولوجيا" في العنوان؛ حتى يبدو مقالي مثل مقال كبار المثقفين المزعومين وكبار النقاد، وهي في حقيقة الأمر كلمة ليس لها أي معنى على الإطلاق، ولكني وجدت أن شكلها لطيف، فقررت أن أخدع بها كل من يقرأ هذا المقال لأثبت له في نهاية المطاف أن لغة "تتح" ولغة "بوحة" وحتى لغة "اللمبي" هي التي سوف يفهمها الناس.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
الوزراء يوضح حقيقة إيقاف التعامل الإلكتروني مع شركات السياحة المصرية لتنظيم العمرة على منصة "نسك"