ads
ads

اكتب لكم عن نيفين الجمل… حين تصبح الكتابة سيرة داخلية لا تُرى

محمد مختار
محمد مختار

من بين جيل الثمانينيات يبرز اسم نيفين الجمل كشاعر نجحت في أن تصنع لنفسها مسارا متميزا بين أبناء جيلها، وليست نيفين الجمل من ذلك النوع من الشعراء الذين يمكن مقاربتهم عبر قصيدة واحدة أو ديوان بعينه، فالتجربة عندها أوسع من الشعر، وأعمق من اللغة، وأقرب ما تكون إلى سيرة داخلية طويلة، تتشكل فيها الكتابة بوصفها ضرورة وجودية لا ترفًا إبداعيًا.

منذ طفولتها المبكرة، كانت الكتابة عند نيفين فعل اكتشاف للذات قبل أن تكون وسيلة تعبير عنها. وحين كتبت نصوصها الأولى، لم تكن تدرك أنها تمارس ما اصطلح عليه لاحقًا بـ«الأدب الذاتي»، ذلك اللون الذي لا يفصل بين التجربة واللغة، ولا يرى في الكاتب شاهدًا على العالم بقدر ما يراه موضوعًا للرؤية ذاتها. وقد جاء اكتشاف هذا التصنيف مصادفة، عبر مقال في مجلة الهلال، لكن المصادفة هنا لم تكن سوى اعتراف متأخر بما كانت تمارسه فطريًا.

ولعل دعم الدكتور محمد رجب البيومي لهذا النوع من الكتابة، وهو الناقد الذي جمع بين الصرامة العلمية والإنصاف الإنساني، منح هذه التجربة وعيًا مبكرًا بذاتها، فانتقلت من البراءة الأولى إلى التأمل، ومن التلقائية إلى المساءلة.

نيفين الجملنيفين الجمل

أما الشعر، فقد دخل حياتها في عام 2004، دخولًا خجولًا كما تعترف، بدايات ساذجة لا تنكرها، بل تنظر إليها بوصفها مرحلة ضرورية في تشكّل الصوت. فالتجربة الشعرية عند نيفين لم تقفز قفزًا، وإنما نمت، وتعثرت، ثم نضجت. وكان لتشجيع أحمد الخميسي أثر واضح في انتقالها من الكتابة لنفسها إلى مخاطبة القارئ، فصدر ديوانها الأول «أحررك مني» عام 2010، عنوانًا دالًا على تلك الرغبة المبكرة في فك الاشتباك بين الذات وقيودها.

غير أن ما يميز تجربة نيفين الجمل حقًا هو هذا التداخل اللافت بين الإبداع والمعرفة الباطنية. ففي عام 2006، جذبها عالم الطاقة، لا بوصفه موضة روحية عابرة، بل كمدخل لفهم الإنسان في كليته: جسدًا، ونفسًا، وفكرًا. درست تقنيات متعددة، وقدّمت جلسات لمساعدة الآخرين على تخفيف الأعباء النفسية الناتجة عن الكبت والضغط، وكأن ما عجزت اللغة عن قوله، تكفلت به التجربة.

هذا الشغف انعكس في كتابها الإنجليزي Keeping the State of Love، وفي ترجمتها لرواية The Celestine Prophecy، حيث لا تبدو الترجمة هنا فعل نقل لغوي فحسب، بل مشاركة فكرية وروحية في النص. فالاختيار نفسه كاشف عن وعي بمسار واحد: البحث عن المعنى، لا في الخارج، بل في العمق الإنساني.

وفي دواوينها اللاحقة، ولا سيما «ظل شجرة أغسطس» بطبعاته المختلفة، تتبلور هذه الرؤية أكثر: لغة هادئة، مشحونة، لا تصرخ ولا تتزين، بل تمضي مباشرة إلى مناطق حساسة في الوعي والشعور. هي كتابة لا تعلن حكمًا، ولا تزعم امتلاك الحقيقة، وإنما تفتح بابًا للتأمل، وتترك القارئ وحيدًا أمام نفسه.

وحين تقول نيفين إنها تهوى التعرف العميق على أبعاد الإنسان، فإن هذا ليس ادعاءً نظريًا، بل خلاصة رحلة طويلة مع الذات، اكتسبت منها خبرة تجعلها اليوم قادرة على مرافقة الآخرين في رحلاتهم الداخلية، لا بوصفها معلمة، بل شاهدة سابقة على الطريق.

وهي الآن، إذ تُعد كتابًا جديدًا عن الطاقة باللغة العربية، أكثر عمقًا من سابقه، وتترجم مقالات في علم المصريات للأستاذ مصطفى جاد الله، فإنها تواصل المسار نفسه: ربط المعرفة بالوعي، والتاريخ بالإنسان، والكتابة بالحياة. ليكون هذا الكتاب المرتقب أكثر نضجًا وعمقًا من تجربتها الأولى، وتنشغل في الوقت ذاته بترجمة مقالات في علم المصريات للأستاذ مصطفى جاد الله، إنما تواصل المسار نفسه الذي اختارته منذ البدء: مسار وصل المعرفة بالوعي، وردّ التاريخ إلى الإنسان، وجعل الكتابة امتدادًا للحياة لا انفصالًا عنها.

لم تقتصر تجربة نيفين الجمل على الشعر والكتب، بل امتدت أيضًا إلى مقالات نقدية وعلمية ذات طابع معرفي وإنساني. فقد تناولت في عام 2019 مقالة بعنوان 'طبيعة المشاعر' في دورية 'كل الناس' الإلكترونية، كما كتبت عن 'العلاج بالطاقة بالألوان والأحجار الكريمة' في مجلة Ladies Magazine – care & cure في ديسمبر 2015، إلى جانب سلسلة مقالات منتظمة منذ عام 2000 في مجلة Mother and Child، ما يعكس حرصها الدائم على الجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق الحياتي، ورصد أبعاد الإنسان وعلاقته بذاته وبالكون من حوله.

نيفين الجمل ليست شاعرة فقط، ولا مترجمة، ولا باحثة في الطاقة، بل تجربة إنسانية تسعى إلى الاتساق، إلى أن تكون الكتابة امتدادًا صادقًا لما نعيشه، لا قناعًا لما نريد أن نبدو عليه. وهذا، في تقديري، هو جوهر القيمة في تجربتها: أن الإبداع عندها لا يُفصل عن السيرة، ولا يُختزل في النوع الأدبي، بل يُفهم بوصفه شكلًا من أشكال المعرفة بالذات… وتحريرها.

وعلى ذلك نيفين الجمل ليست مجرد شاعرة، ولا تُختصر في كونها مترجمة أو باحثة في شؤون الطاقة، بل هي تجربة إنسانية متكاملة تسعى إلى الاتساق الداخلي، حيث تصبح الكتابة فعل صدق، لا قناع تزيّن به الذات صورتها أمام العالم. فالإبداع لديها لا ينفصل عن السيرة، ولا يُحبس داخل نوع أدبي بعينه، بل يتبدّى بوصفه مسارًا للوعي، وطريقًا لمعرفة النفس، ومحاولة دؤوبة لتحريرها من التباسها وخوفها وتشظّيها.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً