في دهاليز السياسة الدولية، حيث تتبدل التحالفات وتتغير الوجوه، ينسى "المغامرون" أحياناً حقيقةً بسيطةً، وإن كانت قاسية: أن الجغرافيا ليست مجرد مساحةٍ على خريطة، وليست مجرد تضاريس رسمتها الطبيعة بعبث، بل هي الحاكم الفعلي الذي لا يملك أحدٌ عزله، واللاعب الأبدي الذي لا يمل من التكرار. وإذا ما نظرنا إلى إيران، فإننا لا ننظر إلى "نظام سياسي" فحسب، بل نحن بصدد قراءة "قلعةٍ" شيدتها الطبيعة بيدٍ بارعةٍ، وتتوارثها الأجيال كعمقٍ استراتيجي لا تهزمه التكنولوجيا مهما بلغت غطرستها.
إن من يقرأ تاريخ المعارك، يعلم أن جبال "زاغروس" في الغرب و"ألبرز" في الشمال ليست مجرد أحجارٍ صماء، بل هي حائط صدٍّ بشري وطبيعي، يحول السهول المفتوحة أمامها إلى حقول ألغامٍ لوجستية. فليس أشق على قلب "الغازي" – أيّاً كان – من أن يجد نفسه مطالباً باختراق جبالٍ تتحدث بلغة الصمود، وتخفي في أحشائها ما لا تراه الرادارات. وهنا، تحولت العقيدة الدفاعية الإيرانية إلى "فنٍّ في استثمار الجبل"، فصار الجبلُ مستودعاً للسلاح، ومخبأً للمبادرة، وستاراً يغطي على القوة الحقيقية، بينما تشتعل التكنولوجيا في الخارج لتطرق أبواباً صلبةً لا تجيب إلا بالصدى.
أما الصحارى.. تلك المساحات التي يراها البعضُ فراغاً، فإنها في المنطق الإيراني هي "منطقة الموت". إنها ليست مجرد رمالٍ تذروها الرياح، بل هي المساحة التي تمتص صدمة الهجوم، وتستنزف خطوط الإمداد، وتجعل من جيوش "القرن الحادي والعشرين" جيوشاً تائهةً في بحرٍ من اللاشيء. إنها "الدفاع بالعمق" في أنصع صوره؛ حيث تضطر القوة المهاجمة إلى أن تبحث عن هدفها في رقعةٍ شاسعة، حتى تكاد تظن أن الهدف وهم، بينما الحقيقة أن الجغرافيا هي التي أفرغت الغارة من معناها.
إن الثقة التي نراها في ملامح السياسة الإيرانية اليوم، ليست وليدة الصدفة، ولا هي مجرد "عنادٍ" سياسي، بل هي ثقةُ من يدرك أن أرضه تدافع معه. إن القيادة هناك تعلم أن التكنولوجيا قد تمنح تفوقاً لحظياً، وقد تكسر نافذةً، لكن الجغرافيا تظل هي الحصن الذي يمنع سقوط البلاد