ads
ads

الأحزب الزائفة والديمقراطية المستحيلة في مصر

محمد مختار
محمد مختار

تحتاج الحياة الحزبية والسياسية في مصر إلى حجر يُرمى في مياهها الراكدة ليستفيق القائمون على هذه الأحزاب من حالة سبات غريبة ومدهشة، في وقت تعاني فيه الحياة الحزبية المصرية من حالة زيف واضحة؛ حيث تظهر أدلة متطابقة على تفشي مرض سياسي خطير يُعرف في الأدبيات السياسية باسم "الأحزاب الزائفة".

ومصطلح "الأحزاب الزائفة" ليس لفظاً للسباب، بل هو مصطلح علمي يعرفه الباحثون في العلوم السياسية، ويشير إلى أحزاب تفتقر إلى التماسك الأيديولوجي والبرامج الواقعية، وتهدف بشكل أساسي إلى دعم النظام الحاكم أو تحقيق مصالح خاصة لأعضائها.

وتتعدد المبررات لوصف بعض الأحزاب بـ " الزائفة "، غير أن أبرزها هو غياب التماسك الأيديولوجي؛ إذ تفتقر هذه الأحزاب إلى رؤية واضحة، وتتغير مواقفها باستمرار تبعاً للظروف السياسية، فضلاً عن ضعف تمثيلها الشعبي، مما يجعلها مجرد واجهات تُعبر عن مصالح فئات محدودة.

ومن مظاهر "الأحزاب الزائفة" في مصر أن مواقف بعضها تتغير بشكل مفاجئ ودون مبررات سائغة، مما يُثير الشكوك حول مصداقيتها والتزامها بمبادئها المعلنة، في حين تعلن أحزاب أخرى التزامها بأيديولوجية معينة ثم تمارس سياسات تُناقضها بشكل صريح، ناهيك عن غياب الرؤية المستقبلية واكتفائها بردود الفعل دون تقديم حلول استراتيجية طويلة المدى.

ولا يغيب عن المتابع للمشهد الحزبي في مصر طغيان المصالح الشخصية؛ حيث تُقدم معظم هذه الأحزاب منافع أعضائها على المصلحة العامة، وتسعى لتحقيق مكاسب سياسية أو مادية -كالمناصب والامتيازات- على حساب القضايا الوطنية، دون أن تطرح برامج واقعية قابلة للتطبيق لحل مشكلات المواطنين، مكتفية بشعارات جوفاء لا تُسهم في تحسين حياتهم.

وأخطر ما تنتجه ظاهرة الأحزاب المزيفة هو تشويه الحياة السياسية وإضعاف الثقة في العملية الديمقراطية؛ فهي تعيق التطور السياسي الحقيقي وتمنع ظهور أحزاب قوية تُعبر عن مصالح الشعب بشكل فعلي، بل إن خطرها الأكبر يكمن في جعل الوصول إلى الديمقراطية حُلماً مستحيل المنال.

. إن الحديث عن استحالة الديمقراطية في مصر ليس فقط بسبب "الأحزاب الزائفة" التي تفتقر إلى القواعد الشعبية والبرامج الحقيقية. غير أن القراءة الأكثر عمقاً للواقع السياسي المصري تشير إلى أن المعضلة لا تقف عند حدود زيف الأحزاب أو شكليتها فحسب، بل تمتد لتطال طبيعة وحقيقة القوى الفاعلة المؤثرة في المشهد بأكمله؛ إذ يمكن القول إن هذه القوى، على اختلاف أطيافها وأيديولوجياتها، تتشارك في سمة رئيسة وهي غياب الثقافة والممارسة الديمقراطية الأصيلة عن بنية تفكيرها وسلوكها السياسي.

فإذا تأملنا الأطياف السياسية التي تصدرت المشهد أو أثرت فيه عبر المحطات المفصلية للتحول السياسي، نجد أن الثقافة الديمقراطية لم تكن عقيدة راسخة لدى أي منها، بل كانت في أغلب الأحيان مجرد أداة أو "تكتيك" يُستدعى للوصول إلى السلطة أو لتثبيت الأقدام، ثم يُتخلى عنه بمجرد صدور نتائج لا تتوافق مع الرؤى الخاصة لكل طرف.

فمن جهة، تعاني القوى والأحزاب المحسوبة على التيار الديني والسلفي من أزمة بنيوية تتمثل في تقديم النصوص والأفكار الأيديولوجية والتنظيمية الضيقة على التعددية والمواطنة؛ حيث يُنظر إلى الديمقراطية كآلية صندوق اقتراع تمنح الشرعية لمرة واحدة، دون إيمان حقيقي بقيم التداول السلمي للسلطة، أو حماية حقوق الأقليات، أو القبول بالتنوع الفكري والمجتمعي

أما الأحزاب المحسوبة على اليسار المصري فتفتقر للديمقراطية في بنيته وسلوكه السياسي من خلال تضافر ثلاثة عوامل أساسية: أولها ارتهانه التاريخي بالتجربة الناصرية التي كرست القبول بالسلطوية الأبوية وتأميم الحياة السياسية وإلغاء الأحزاب مقابل المكتسبات الاجتماعية، مما ولد ثقافة تُفضل "المستبد التقدمي" على الديمقراطية التعددية؛ وثانيها تبنيه خطاباً إقصائياً قائماً على الاستقطاب والتخوين الفكري، حيث يُصنف المخالفون كأخصام "رجعيين" أو "ظلاميين" يجب إزاحتهم بدلاً من منافستهم بشرف؛ وأخيراً افتقاره للقيم الديمقراطية في بنيته التنظيمية الداخلية، إذ تعاني أحزابه وتنظيماته من غياب التداول على القيادة، وسيادة النزعة الفردية والشللية، والانقسامات المتكررة التي حولتها إلى منابر شخصية تدور حول رموز تاريخية بعينها.

وحتى القوى المدنية التي تدعي الليبرالية في لحظات الاختيار الحقيقية عن هشاشة تنظيمية وافتقار لبعد النظر السياسي، فضلاً عن السقوط في فخ الاستقطاب؛ إذ كثيراً ما أظهرت هذه القوى ضيقاً بالصندوق عندما جاء بخصومها الأيديولوجيين، واستدعت أدوات قسرية لحسم الصراع السياسي بدلاً من العمل الجماعي الصبور على بناء بديل سياسي ينال ثقة الشارع وينتصر بالوسائل الديمقراطية ذاتها.

وفي نفس الوقت فإن الطبيعة غير الديمقراطية للمؤسسات الدينية المؤثرة في مصر (كالأزهر والكنيسة) تتجلى في بنيتها التنظيمية ودورها المجتمعي؛ إذ تُدار بأسلوب أبوي تراتبي صارم يقوم على التعيين الفوقي واحتكار القرار في دوائر نخبويّة ضيقة بعيداً عن قواعدها الشعبية، وتفرض طاعة تنظيميّة تُقيد حرية الفكر والنقد الداخلي عبر آليات التهميش أو العقاب المعنوي والديني، فضلاً عن احتكارها الوصائي للحدث باسم الدين أو الطائفة وإلغائها للتعددية المدنية، وتحالفها التاريخي مع السلطة التنفيذية لتقديم الشرعية السياسية مقابل حماية نفوذها والتصدّي للمبادرات الإصلاحية، مما يجعلها بنى سلطوية تُرسخ الوصاية وتعيق ترسيخ ثقافة المواطنة والديمقراطية في المجتمع.

أما على صعيد مؤسسات الدولة والتكنوقراط والقوى التنفيذية، فإن الرؤية السائدة تظل محكومة بمنطق الاستقرار الأمني والإدارة المركزية الصارمة، حيث يُنظر إلى التعددية والمجال السياسي المفتوح بوصفهما مدعاة للفوضى أو تهديداً لتماسك الدولة ومؤسساتها، مما يكرس خيار الإدارة الأبوية المباشرة للمجتمع ويستبعد مبدأ الشراكة السياسية التنافسية.

بناءً على هذا المشهد المتراكب، تتبدى أزمة الديمقراطية في مصر ليس فقط في غياب المؤسسات الحزبية القوية، بل في غياب "الفاعل الديمقراطي" المؤمن باللعبة الديمقراطية وقواعدها أياً كانت نتائجها. وطالما بقيت القوى الفاعلة محكومة بمنطق المغالبة والتخوين المتبادل والإقصاء، فإن بيئة الممارسة الديمقراطية تظل تفتقر إلى المقومات الأساسية التي تسمح بنموها واستقرارها.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
شقيق أحمد بندق لاعب الجزيرة المتوفى لـ"أهل مصر": «لم تكن مشاجرة.. بل تربص وابتزاز»