منذ أن وطأت قدما دونالد ترامب عتبة البيت الأبيض في ولايته الثانية، والعالم يمسك أنفاسه، ليس إعجاباً بقوة أمريكا، بل فزعاً من "ضحالة" الرؤية التي تقود تلك القوة. نحن اليوم أمام مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه "انتحار استراتيجي" يرتديه زي البطولة الزائفة. فترامب، الذي يظن أن إدارة العالم تشبه إدارة صالة "قمار" في نيوجيرسي، يندفع نحو مواجهة مع إيران، غافلاً عن أن التاريخ لا يُباع في مزاد، وأن الشعوب حين تُحاصر، لا تملك إلا أن تحرق كل ما حولها وإيران ليست فنزويلا بل هى حضارة تضرب في أعماق التاريخ بقوة .
يعتقد ترامب أن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية الإيرانية يعني نهاية المعركة. لكن في فقه الحروب الإقليمية، تدمير "الحديد" لا يعني تدمير "الإرادة". إيران، عبر عقود، بنت استراتيجية "الحرب الهجين" التي لا تعتمد على الطائرات، بل على المسيرات، الصواريخ الجوالة، والخلايا النائمة، وهي أسلحة لا تحتاج إلى "مطارات" لتنطلق منها، بل تحتاج فقط إلى "أمر بالثأر".
إن المأزق الذي وضعت فيه إدارة ترامب نفسها لا يتوقف عند حدود الاقتصاد أو العسكر، بل يمتد ليضرب جوهر "الشرعية الأخلاقية" للسياسة الدولية. فعندما تُقدِم دولة كبرى على تصفية الرموز الدينية لخصومها، فهي لا تقتل بشراً من لحم ودم، بل هي "تُؤلّه" الفكرة وتمنحها قداسة الصمود. لقد غاب عن ذهن القابعين في البيت الأبيض أن "المرشد" في العقل الجمعي الإيراني والشيعي ليس مجرد موظف في هيكل الدولة، بل هو "نائب الإمام" ورمز الهوية؛ وقتله لا يعني انهيار النظام بقدر ما يعني تحويل الحرب إلى "فكر عقائدي" عابر للحدود، لا تطفئه صواريخ "توماهوك" ولا تحده بوارج البحرية.
وهنا تبرز الفجوة العميقة بين "الحلم الأمريكي" كما روجت له واشنطن عقوداً — كمنارة للديمقراطية والحريات — وبين واقع "البلطجة السياسية" التي تمارسها إدارة ترى في العالم مجرد "أرقام إحصائية". إن هذا السلوك ينسف ما تبقى من جسور الثقة مع شعوب المنطقة، ويؤكد القناعة القديمة بأن واشنطن لا تفهم "لغة الشرق"، ولا تدرك أن كرامة الشعوب هي الوقود الذي يشعل الثورات ويطيل أمد المقاومات.
إن ترامب، بضحالة ثقافته التاريخية، يظن أن القضاء على الرؤوس ينهي الأزمات، غافلاً عن أن "الثأر" في موروثنا المشرقي هو عقد اجتماعي لا يسقط بالتقادم. وبدلاً من أن تكون أمريكا قوة استقرار، تحولت في عهده إلى "عامل تفجير"، تزرع الحقد في نفوس الملايين، وتترك لورثته في الحكم إرثاً من الكراهية لن تستطيع ميزانيات الدفاع، مهما تضخمت، أن تشتري به أمن جنودها أو سلامة مواطنيها.
إن ما يجهله ترامب — وهو يزهو بضرباته الجوية — أنه بكسره لـ "قواعد اللعبة" واستهدافه لرمزية المرشد، لم يوجه طعنة نافذة للنظام، بل ضخ في عروقه دماءً جديدة من "الشرعية" لم يكن يحلم بها. فقبل هذا الانفجار، كانت إيران تعاني من تصدعات داخلية، وتتململ جبهتها الوطنية تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي كادت تعصف بتماسكها. ولكن، وكما يخبرنا التاريخ مراراً، فإن القوة الغاشمة حين تستهدف "المقدس"، تتحول إلى "غراء" يلحم الشقوق ويصهر المتناقضات.
لقد قدم ترامب للنظام الإيراني "هدية العمر"؛ فحول الصراع من خلاف على "برنامج نووي" أو "نفوذ إقليمي" إلى معقدٍ وجودي وطائفي، لا يترك للمواطن الإيراني خياراً سوى الالتفاف حول راية بلاده. إن "قداسة الصمود" التي تولدت من رحم هذا الاغتيال، ستجعل من كل بيت في إيران قلعة، ومن كل فرد مشروع مقاوم، مما يعني أن واشنطن لن تواجه جيشاً نظامياً يمكن هزيمته بالتقنيات، بل ستواجه "عقيدة ثأر" عابرة للأجيال، ولن تجد في طهران — بعد اليوم — صوتاً واحداً يجرؤ على الحديث عن "التفاوض" أو "التنازل".
إنني لا أشك للحظة في أن إيران، برغم جراحها، ستخرج من هذه المعركة رابحة بالمعنى السياسي، وإن كانت الفاتورة التي ستدفعها من دماء أبنائها وبنيتها الأساسية باهظة إلى حد الفجيعة. فالمنطق الإيراني في المواجهة بات صريحاً: "إذا غرقنا، فلن يطفو أحد". وهنا مكمن الخطر؛ فإيران لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى شريان حياتها ينقطع، بل ستجعل من "مضيق هرمز" سداً منيعاً أمام نفط الخليج، بل وقد تمتد يدها لتضرب منابع النفط ذاتها. نحن أمام "أزمة طاقة كارثية" لن يدفع ثمنها الشرق الأوسط وحده، بل سيهتز لها بيت كل عامل في باريس وبرلين ونيويورك.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يفكر هذا الرجل؟ إن ترامب لا يقضي فقط على استقرار المنطقة، بل يقضي على بقايا "الحلم الأمريكي" ذاته. تلك القيم التي طالما تشدقت بها واشنطن حول الديمقراطية والحرية، تُذبح اليوم على مذبح الرغبة الشخصية في الظهور بمظهر القوي "الأحمق". إننا أمام رئيس، ومن حوله عصبة من المستشارين، يجمعهم قاسم مشترك من "ضحالة الثقافة" وجهل مطبق بسيكولوجية شعوب الشرق الأوسط.
إننا إذن أمام "خطيئة عمر" لم يسبقه إليها رئيس أمريكي، خطيئة جعلت من ترامب رجلاً يواجه "الغيب" و"التاريخ" معاً. فهو لا يدرك — لبعده عن منطق الحضارات وعمق الأديان — أنه بقراره هذا لم يغتل مجرد "رئيس دولة" يمكن استبداله في لعبة الكراسي الموسيقية، بل اغتال "رمزاً" يسكن وجدان الملايين؛ رمزاً يمثل لمن يعتقدون فيه ما يمثله البابا للكاثوليك. بهذا الفعل الأرعن، نقل ترامب الصراع من دائرة "الخلاف السياسي" الذي قد تحله صفقة، إلى "ثأر تاريخي" ممتد، ثأر لا تحكمه موازين القوى، بل تحركه لوعة المظلومية ورغبة القصاص.
والحقيقة التي ستصفع وجه الإدارة الأمريكية بعد حين، هي أن الحرب لن تنتهي ببيان نصر عسكري يلقيه ترامب من الشرفة البيضاء. فالمقاومة الإيرانية التي يظن "التاجر" أنه سيقضي عليها في ستة أشهر، هي في جوهرها "فكرة"، والأفكار لا تموت بالصواريخ. وفي المقابل، فإن الساعة السياسية في واشنطن تدق بعنف؛ ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، سيجد ترامب نفسه محاصراً بين نارين: نار الاستنزاف في رمال الشرق الأوسط، ونار "العزل" التي سيشعلها خصومه الديمقراطيون في أروقة الكونغرس تحت وطأة غلاء الأسعار وعودة النعوش.
لقد أراد ترامب أن يدخل التاريخ كبطل حسم الصراع، فدخل من باب "الحماقة" التي ستجعل العالم يدفع الثمن لسنوات طويلة قادمة. إن "صندوق باندورا" الذي فتحه اليوم، لن تستطيع كل بوارج الأرض أن تعيد إغلاقه، وسيكتشف الأمريكيون — حين يفوت الأوان — أن رئيسهم قد استبدل "أمن العالم" بـ "أوهام العظمة"، ليترك للجميع إرثاً من الدم والرماد وطلقات الثأر التي لن تخطئ هدفها أبداً.
لكن الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهي سفن "التاجر". فالداخل الأمريكي يغلي، واستطلاعات الرأي تشير إلى أن الجمهوريين في طريقهم لخسارة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. حينها، سيجد ترامب نفسه مكبلاً؛ فلا هو استطاع القضاء على "روح المقاومة" في إيران خلال الأشهر الستة الأولى، ولا هو سيملك "الحرية" في إدارة الحرب بعد ستة أشهر أخرى حين يطرق الديمقراطيون أبواب "العزل" مجدداً.
إن القوة حين تفتقر إلى الحكمة تصبح وبالاً على صاحبها. وترامب، بجهله بتركيبة هذه المنطقة وعمق إيمان شعوبها، يكتب بيده الفصل الأخير من الهيمنة الأمريكية، تاركاً للعالم إرثاً من الرماد، وثأراً لن تطفئه السنون.