ads
ads

محمد مختار يكتب عن عالم مصري مهاجر بجسده وروحه تحلق في سماء مصر : الدكتور مصطفى جاد الله.. حين يكون الكتاب رسالة لا سلعة

محمد مختار
محمد مختار

منذ زمن بعيد، وأنا أؤمن يقيناً بأن الثقافة الحقيقية ليست مجرد حزمة من الأوراق التي تخرج من جوف المطابع، ولا هي تلك الأرقام الصماء التي تُرصد في ميزانيات الربح والخسارة وتُباع في الأسواق كأي سلعة استهلاكية عابرة. إنها في جوهرها الأعمق 'جسر' إنساني، يمتد برهافة ليربط بين العقول والضمائر، متجاوزاً حدود الجغرافيا، وعوائق المسافات، واختلاف اللغات، ليخلق فضاءً مشتركاً من الفهم الإنساني الذي لا تحده حدود.

واليوم، يستوقفني في هذا الزحام نموذج فريد ونبيل للمثقف المصري الذي لم يكتفِ بمجرد التنظير، بل جعل من نفسه وعلمه سفيراً يحمل وجع هذه الأرض الطيبة وفخر تاريخها الضارب في الجذور في قلبه وأينما حل، ليطوف بهما عواصم العالم، مدافعاً عن هوية لا تقبل المحو. إنه الدكتور مصطفى جاد الله، الذي نذر وقته وجهده لتقديم رؤية مغايرة، تخرج بالحضارة المصرية من أسر التفسيرات التقليدية إلى رحابة الفكر الإنساني العالمي.

والحقيقة أن ما يثير الإعجاب في مسيرة هذا الرجل هو مشروعه الفكري الذي شيده بعيداً عن أضواء 'البيزنس' الثقافي؛ فهو لا يحمل ذلك الطابع الاستثماري البارد الذي اعتدنا عليه في دهاليز دور النشر الكبرى، بل يحمل 'روحاً' مخلصة وتجردًا افتقدناه كثيراً في هذا العصر الذي طغت فيه المادة وصخب البحث عن الربح السريع. إننا أمام مشروع يتنفس إخلاصاً، حيث تغدو الكلمة فيه رسالة سامية، ويصبح الكتاب أداة للتنوير لا وسيلة للاغتناء.

يتحدث الدكتور مصطفى جاد الله عن حصيلة عمر فكري غزير، لم يكن يوماً مجرد ترف ذهني أو انغلاق داخل الصوامع الأكاديمية، بل كان تدفقاً حياً أثمر عن اثنين وعشرين مؤلفاً باللغة الإنجليزية. وهذه المؤلفات لم تقف خجولة عند حدود لغتها الأم أو داخل جدران المكتبات الغربية، بل عبرت القارات والبحار لتُترجم إلى اثنتي عشرة لغة عالمية، وكأنها رسائل مصرية موجهة إلى ضمير العالم بأسره. وهو اليوم، برغم هذا التحقق الدولي الواسع، لا يكتفي بالجلوس فوق منصات النجاح الخارجية، بل يطمح بعين المحب لوطنه أن يجعل من مصر مستقراً ومستودعاً لخمسين كتاباً بمختلف اللغات، لتكون بين يدي كل زائر وعابر فوق ثرى هذه الأرض.

والمثير في الأمر، والذي يستحق منا وقفة تأمل طويلة، ليس مجرد غزارة الإنتاج أو تعدد اللغات، بل هي تلك 'الفلسفة' المترفعة والمغايرة تماماً لكل ما ألفناه في 'سوق' الكتاب والمنطق التجاري السائد. فالرجل يعلن بوضوح وجسارة أنه لا يبحث عن ربح شخصي، ولا ينتظر عائداً يضاف إلى رصيده البنكي، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين يتكفل بكامل تكاليف الطباعة في مصر من ماله الخاص، واهباً العوائد والأرباح لمن يتولون الإدارة والعمل. إن هدفه الأسمى هو ضمان 'استمرارية' دوران المطابع واستدامة وجود الفكرة، بحيث يطعم المشروع نفسه بنفسه في المستقبل.

إننا هنا أمام نموذج نادر، وربما استثنائي، للمثقف الذي يدرك أن 'الكلمة' هي أمانة قبل أن تكون مهنة، وأن 'المعنى' يجب أن يُمنح بسخاء قبل أن يُنتظر الثمن. إن مصطفى جاد الله بهذا المسلك لا يقدم مجرد كتب، بل يقدم درساً في العطاء الثقافي المتجرد، حيث تصبح الثقافة لديه فعلاً من أفعال الانتماء، وسبيلاً لتوطين المعرفة فوق تراب الوطن، لتبقى حية وباقية وقادرة على البقاء بقوة دفع ذاتية، بعيداً عن حسابات المكسب والخسارة الضيقة التي تكبل الكثير من الطموحات الكبيرة.

إن هذا المشروع في جوهره لا يقف عند حدود النشر التقليدي، بل هو يمتد بذكاء وإخلاص ليستهدف السائح والزائر والأجنبي الذي اختار الإقامة فوق أرضنا. وهي فكرة تنطوي على بصيرة نفاذة؛ فنحن كثيراً ما نردد الشكوى التقليدية من أن الزائر الأجنبي يمر بآثارنا، ويقف مبهوراً أمام ضخامة حجارتنا، لكنه في أغلب الأحيان يغادرنا دون أن يجد 'الكتاب' الذي يفتح له مغاليق الروح في هذه الحضارة، أو يمنحه تلك الرؤية العميقة التي تجعل من الحجر نطقاً ومن التاريخ حياة، وكل ذلك بلغة يتقنها ويفهم تفاصيلها.

إن وضع خمسين كتاباً رصيناً في متناول يد هؤلاء، وفي مختلف المواقع التي يطوفون بها، ليس مجرد عملية توزيع لمنتج ثقافي، بل هو في حقيقته نوع من 'الدبلوماسية الثقافية' الهادئة والفعالة؛ تلك التي تخاطب العقل في لحظة صفاء، وتفعل بصمت ما قد تعجز عنه الخطب الرنانة أو الحملات الدعائية الصاخبة. إنها عملية 'إعادة صياغة' للصورة الذهنية عن مصر في الوجدان العالمي، حيث تغرس في عقل القارئ الأجنبي حقيقة الحضارة المصرية كما يراها أبناؤها وكما يفهمها علماؤها، بعيداً عن التفسيرات التي قد يفرضها الآخرون من الخارج بمنظورهم الخاص.

وبذلك، لا تعود الكلمة مجرد حبر على ورق، بل تتحول بفضل هذا المشروع إلى 'سفير دائم' لا يحتاج إلى تأشيرة دخول، يتحدث بلغات الأرض كافة، ويقيم في وجدان القراء حول العالم. إنها وسيلة لنقل صوت مصر الحقيقي إلى قلب كل زائر، ليعود إلى بلاده وهو لا يحمل معه فقط صوراً تذكارية، بل يحمل وعياً جديداً وفهماً مستنيراً، صاغه قلم مصري مخلص عرف كيف يخاطب العالم بلغة العلم والمنطق والمحبة.

ولعل النقطة التي تستحق التأمل والإعجاب في منهج الدكتور جاد الله هي فكرة 'الاستدامة الذاتية'؛ فهو لا يقدم مبادرة عابرة تنتهي بانتهاء الدعم المالي الأول، بل يضع 'البذرة' ويساعد في ريّها، على أن تقوم الأرباح الناتجة بإعادة تمويل الطبعات التالية حتى يصبح المشروع كياناً حياً يطعم نفسه بنفسه. إننا هنا أمام نموذج للمثقف الذي يدرك أن أعظم أرباحه هي 'الأثر' الباقي، والكلمة التي تكتفي ذاتياً وتستمر بقوة الدفع الذاتي، ليبقى اسم مصر دائماً مقروناً بالفكر المستنير الذي لا ينضب، وبالعطاء الذي يتجاوز حدود الفرد لخدمة رسالة المعرفة الخالدة.

دكتور مصطفي جاد اللهالدكتور مصطفي جاد الله

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً