في أحلك الظروف لم يفارقني ابني خالد، وكان صغيراً يحبو في طرقات الشقة البسيطة التي كنت أسكن فيها في حي من أحياء ضواحي محافظة القليوبية.
فعندما فقدتُ عملي بسبب اتهامي في قضية الدكتور سعد الدين إبراهيم، لم يكتفِ الأقربون بأن تخلّوا عني، ولم أطمع في مساندة معنوية على الأقل، بل إنه بمجرد نفاد مدخراتي القليلة أصبح كل من حولي، بمن فيهم أقرب الأقربين، يتجهم في وجهي.
ولا أعرف سبباً لذلك، لأنني ببساطة لم أكن أطلب أي شيء من أي إنسان. ففي هذه الظروف كان إنسان واحد فقط لم يتوقف عن الابتسام لي، هو طفلي خالد الذي كان في عامه الأول. في هذا الوقت الصعب، كان وجوده في حياتي كفيلاً بأن يصبرني على المحنة التي مررت بقسوتها، لكنني لم أنسَ أبداً ابتسامته لي وهو يحبو ويفتح باب غرفتي، وذلك بعد أن رأيت نفسي في رؤيا وشعرت بـ... كشيف نكاية عن الهموم، فأزاح بابتسامة طفل لم يخطُ بعدَ أن يصلَ إلى عتبة عامه الثاني تنجلي كل الهموم، وسارت الحياة بعد ذلك في تيارها المكتوب بحلوها ومرها.
إن صاحب هذا الإهداء، وهو طفل كان يحبو في منزلي، هو أكثر شخص في هذا العالم أفتقده.
لقد كبر الطفل، وأصبح له نزقه، وأصدقاؤه، وحياته الخاصة التي يتلمس بدايتها بعيداً عن بيت أبيه؛ فليحفظه الله ويحفظ كل أبناء جيله، لكنني أفتقد صاحب هذا الإهداء، هذا الإنسان الصغير الجميل الذي لولاه لما مرت أيام المحنة بكل ما فيها من قسوة ومرارة!
الصحفيون في مصر هم من ينطبق عليهم القول : "الصيت ولا الغنى"، وهم أكثر الناس الذين ينطبق عليهم المثل الشعبي الشهير: "العين بصيرة واليد قصيرة".
فالصحفي في مصر، منذ أن يبدأ التدريب وهو على مرمى حجر من كل مغريات الحياة؛ فهو يحضر مؤتمرات في فنادق فاخرة، لا يملك أن يدفع ثمن فنجان قهوة في المقهى (الكافية) بها، ولولا بطاقة عمله في صحيفته أو بطاقة نقابته لما واتته الشجاعة على المخاطرة بدخول مثل هذه الأماكن الخطيرة التي قد تكلفه قيمتها راتبه للحصول على وجبة عشاء فيها، هذا في الأساس إن كان يحصل على راتبه بانتظام من الصحيفة التي يكتب لها.
وفي كل وقت، يقابل الصحفي المصري رجال أعمال أثرياء وفي جيبه ما يزيد قليلاً عن ثمن أجرة "الميكروباص" الذي يتنقل به يومياً، وثمن نصف تذكرة مترو الأنفاق التي يدفعها مضطراً؛ لأنه لا يملك غالباً ثمن اشتراك سنوي كامل في مترو الأنفاق يسدده دفعة واحدة.
أما عندما يُدعى الصحفي المصري لحفلات العرض الخاص التي تحضرها فاتنات السينما، فإن صورة زوجته بملابس المطبخ لا تفارق خياله إلا عندما يشعر باهتزاز هاتفه المحمول الذي ضبطه على الوضع الصامت، ليجد أن زوجته تذكره بشراء أكياس فول وزبادي للسحور؛ لأن غداً صيام عاشوراء!
وقد يكون الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه معظم الصحفيين في مصر مبرراً لحالة الاغتراب الظاهرة التي يعيشها كثير من الصحفيين المصريين؛ فمعظم الصحفيين في مصر معزولون تماماً عن قضايا المجتمع الذي يعيشون فيه، بالرغم من أنه من المفترض أن يعالجوا هذه القضايا. فبخلاف محرري صفحات الحوادث، الذين قد يكونون في حقيقة الأمر منخرطين عن قرب في هموم مجتمعاتهم، فإن كثيراً من الصحفيين يكتبون وفي ذهنيتهم أن ما يكتبونه موجه لمراكز السلطة في المجتمع أو في المؤسسة التي يعملون بها.
ومن يملك وقتاً ليحصي نوعية الأخبار المنشورة في أشهر الصحف المصرية، فسوف يشعر بأن هذه الصحف تتحدث عن أشياء تقع في مجتمع آخر غير المجتمع في مصر؛ فهذه الصحف تنشر يومياً أخباراً عن عشرات الآلاف من فرص العمل التي يتم توفيرها للشباب، وعن عشرات الآلاف من الوحدات السكنية التي تُبنى كل يوم في كل مكان، وعن جهود خارقة في مكافحة الفساد الذي يطال كل شيء في المجتمع تقريباً، وحتى أخبار الطقس ودرجات الحرارة تكاد لا تُصدق إلا فيما ندر.
وأصبح الإعلان في #الصحف، أو رغبة كل محرر في كسب ثقة ورضا الوزير الذي يغطي أخبار وزارته أو رئيس القطاع الذي يغطي أخباره، هو سيد الموقف في معظم صالات التحرير أو كلها؛ إن الصحفي الذي لا يختلط بقضايا مجتمعه ولا يتحدث عنها بموضوعية هو غائب عن وظيفته، ولا يقوم بها كما ينتظر منه المجتمع الذي ينتمي إليه.
وكمثال واضح على حالة الاغتراب، فإن الصحفيين الذين يكتبون في صفحات الأدب والثقافة في معظم الصحف المصرية والعربية يكادون يكتبون جملاً وفقرات لا يفهمها أي إنسان! وأذكر في تجربتي الثانية عند سفري للعمل بصحيفة "اليوم" في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية؛ أني وقعتُ على سبيل المجاملة على مذكرة انتداب لأكون بديلاً للصديق العزيز إبراهيم متولي، الصحفي الكبير في #صحيفة "الوفد"، وهو شخص خلوق وعزيز على قلبي،
وأزعم أنه إنسان حقيقي راقي المشاعر والخُلق والطباع.
وبعد أن سافر صديقنا إبراهيم متولي إلى القاهرة، وجدتُ أنه من الضروري أن أقوم بعمل المحرر الثقافي للجريدة طيلة فترة غيابه، وأُسقِطَ في يدي؛ لأنني دوماً لم أشغل نفسي بالقراءة أبداً في حياتي بعد فترة الطفولة التي كنت أهيم خلالها بقراءة مجلة "ميكي".
وبعد أن عملتُ لفترة محرراً ومترجماً في مجلة "ميكي" أقلعتُ حتى عن هذه الهواية، ولا أخجل من أن أعترف بأنني كنت أشتري الكتب فقط لأن أسعار بعضها رخيصة، مثل كتب السلاسل التي تصدر عن بعض مؤسسات الثقافة في العالم العربي، أو حتى أستكمل بها مظهراً من مظاهر الديكور في المنزل، فيظن من يزورني أنني مفكر كبير.
وبعد أن أصبحت الكتب الإلكترونية متاحة مجاناً بملايين النسخ عبر الإنترنت وبكل لغات الدنيا، فإنني لا أجد أي مبرر في أن يدفع أي إنسان مالاً ليشتري الكتب!
وما حدث هو أنني حاولتُ أن أعتذر عن أن أحرر صفحات الأدب في هذه الصحيفة السعودية العريقة؛ تجنباً لحدوث كارثة، لأنني لم أعمل من قبل في تحرير الصفحات الثقافية.
فوجدتُ أن الاعتذار غير مقبول، لا من الإدارة ولا من الدكتور المتخصص في الأدب والنقد في أحد أهم الجامعات السعودية، والذي كان يترأس في نفس الوقت القسم الثقافي في الجريدة. فشعرتُ بأنني في حرج شديد، وكنت في هذا الوقت لا أفهم الطلاسم التي تصلني عن القضايا الثقافية التي من المفروض أن أحرر موضوعات عنها؛ فلجأتُ إلى حيلة، وهي أن أكتب عناوين لا يفهمها أحد، عناوين فيها مفردات غريبة جداً مثل: "ما بعد الواقع الحداثي"، أو "انقرائية النص في مقابل مقروئية اللغة"، و"اغتراب اللغة السردي واللاوعي في النص المسرحي المعاصر"، أو أي كلام من هذا القبيل الذي لا يفهمه أحد أبداً، لا من يقرؤه ولا من يكتبه! وتوقعتُ أنه بعد اليوم الأول من نشر هذا
الكلام الفارغ الذي لا معنى له، أن رئيس قسم الثقافة سوف ينهي انتدابي للقسم فوراً، فأغادر الصحيفة فور انتهاء موعد دوامي بلا عمل إضافي لا أتقاضى عليه أجراً، لكن المفاجأة أن هذا الكلام الفارغ الذي كنت أكتبه، ولا أفهمه قد لفتَ انتباه الجميع في الصحيفة أنني محرر ثقافي من الطراز الأول، وحاولوا نقلي من قسم المحليات إلى القسم الثقافي، وفضحتني ضحكاتي وحماقتي وأنا أسخر علناً من المشهد بالكامل.
لكن هذه الخبرة ساعدتني في فترات بطالتي عن العمل بعد عودتي من السعودية إلى مصر؛ فكنت أعمل في تحرير بعض النصوص الثقافية لأناسٍ معدومي الضمير، بعضهم يحتلون مناصب قيادية حتى ساعة كتابة هذا المقال في مؤسسات صحفية ، ممن يستأجرون أناساً استغلالا لحاجتهم للعمل لضمهم لورش التحرير التي تقوم بكتابة كتب يضعون عليها أسماءهم مقابل المال.
فكنتُ أجتهد في أن أكتب كلاماً لا يفهمه أحد؛ حتى يخشى (الزبون)، أو المؤلف المزعوم، أن ما يكتبه له هو من عيون الثقافة والأدب، فيخشى أن يسأل عن معناه ويظهر أنه جاهل، فيقبل بما يُكتب له ويدفع أتعابه الزهيدة ويخرج للناس كاتباً مرموقاً.
وللحديث بقية