القصة ليست مشاجرة في معرض سيارات.. القصة أكبر من ذلك بكثير.
القصة أن اسمًا مثل صبري نخنوخ وغيره ممن يعرف المصريون تاريخهم، تحول عبر السنوات إلى واحد من أبرز "وجوه المرحلة"، يظهر في الصفوف الأولى، ويدخل عالم رجال الأعمال، ويجاور المشاهير، ويشارك في الفعاليات، ويتحول فجأة من اسم ارتبط في أذهان الناس بالبلطجة والقضايا إلى "رجل مجتمع" يتم تقديمه باعتباره نموذجًا للنفوذ والنجاح، وصاحب المشاريع والشراكات والتحالفات المصنوعة لتصدر واجهة المجتمع.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.. حين يرى الشباب أن المشهد يتصدره أشخاص لا يعرف أحد كيف صنعوا ثرواتهم، ولا من منحهم كل هذا النفوذ، ولا لماذا فُتحت لهم أبواب الشهرة والمال والعقارات والسيارات الفارهة، يصبح الإحباط شعورًا عامًا، ويتلاشى بداخلك الأمل، وتبدأ الثقة في فكرة العدالة نفسها بالتآكل، ويبادرك سؤال: لماذا أتعلم؟ لماذا أعمل؟ ومتى سأصل؟ ولماذا هذا المسار في الحياة من الأساس، وآخرون أمامي بلا تعليم أو عمل ويتصدرون مواقع النجاح؟
الناس لا تتوقف عند واقعة القبض أو قرار الحبس، بقدر ما تتوقف عند السؤال الأخطر:
من الذي صنع هذه الصورة أصلًا؟ ومن الذي قرر في لحظة ما إسقاطها؟
ولماذا كان مجرد ذكر اسم صبري نخنوخ لسنوات يتم بحسابات شديدة، بينما اليوم تتسابق المواقع لنشر أخباره وتفاصيله؟ ولماذا يبدأ النشر دائمًا من منصة بعينها ثم يتحول إلى "تريند" تتحرك خلفه بقية المنصات، وكأن الجميع كان ينتظر إشارة البدء؟
المجتمع لا يحتاج فقط إلى تطبيق القانون، بل يحتاج إلى استعادة الإحساس بأن النجاح الحقيقي له معنى، وأن الواجهة لا يحتلها أصحاب النفوذ الغامض، والماضي الخطير، ولا الذين صنعوا شهرتهم بالقوة والعلاقات واتفاقات الغرف المغلقة، والصور، والسوشيال ميديا المستعدة دومًا لنقل تحركاتهم، وماذا يرتدون، وماذا يركبون، وأين يسهرون، والإبهار الزائف في كل حركة، حتى وإن كانت تمشية عادية في الشارع بسيارة جديدة.
إذا كانت هذه بداية تصحيح مسار، فالمصريون لن يرفضوا ذلك، لأن أخطر ما مرت به الدولة في سنوات طويلة ليس الاقتصاد ولا السياسة فقط، بل تصدير نماذج مشوهة باعتبارها "أيقونات نجاح"، فقتلت الأمل في نفوس ساعية للنجاح ولكنها لا تستطيع التنازل.
مصر تحتاج أن يعود فيها المشهد طبيعيًا من جديد..
أن يتصدره أصحاب العمل الحقيقي، وأصحاب الفكر، وأصحاب المؤهلات، وهم كُثر حولنا لا يلتفت إليهم أحد، لا أصحاب الهالة المصنوعة.
وأن تعود الصحافة حرة تكتب بلا خوف، لا أن تتحرك بإشارات وتوجيهات وانتقائية في فتح الملفات وإغلاقها.
لأن الدول لا تستعيد ثقة الناس بالشعارات، بل حين يشعر المواطن أن القانون فوق الجميع، وأن الصورة المصنوعة يمكن أن تسقط في أي لحظة، ويبقى فقط ما هو حقيقي.
في النهاية لن يصح إلا الصحيح، وإن ظهر عكس ذلك.