غادرت سفينة الحاويات الصينية «برج دبي» ميناء نينغبو–تشوشان متجهة إلى أوروبا عبر مياه القطب الشمالي ، قد يبدو الخبر للوهلة الأولى مجرد تجربة ملاحية في طريق بعيد تحاصره الثلوج، لكنه في الحقيقة يحمل سؤالًا أكبر بكثير ، هل بدأت الصين وروسيا في رسم جغرافيا جديدة للتجارة العالمية قد تمثل يومًا ما تحديًا لقناة السويس؟
وما علاقة ذالك بالحرب الإيرانية الأمريكية فى المنطقة !؟
الإجابة قد تكون الآن ليس بعد ، أما الإجابة بعد عشر أو عشرين سنة، فلا ينبغي لمصر أن تتعامل معها بالثقة نفسها.
فالممر القطبي المعروف بـ«طريق الحرير الجليدي» يمنح الصين طريقًا إلى شمال أوروبا يتجنب قناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب والمحيط الهندي، ويختصر زمن بعض الرحلات من نحو 40 يومًا إلى قرابة 20 يومًا.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية ما يحدث.
•من المستحيل إلى الممكن السياسة تُطوِّع الجغرافيا.
على مدار عقود طويلة،منحت الجغرافيا قناة السويس ميزة استثنائية ، فهي أقصر طريق بحري مستقر يربط بين الشرق والغرب، ولا تحتاج السفن العابرة لها إلى مواجهة الجليد أو انتظار موسم محدد للإبحار.
لكن العالم يتغير ،فالتوترات في البحر الأحمر، والصراعات في الشرق الأوسط،والاضطرابات المحيطة بممرات الطاقة والتجارة دفعت القوى الكبرى إلى التفكير بطريقة مختلفة ، ماذا لو لم يعد أقصر طريق هو الأكثر أمانًا؟
من هنا تزداد قيمة الطريق القطبي بالنسبة إلى الصين وروسيا ، فبكين تريد تنويع شرايين تجارتها، وموسكو تريد تحويل ساحلها الشمالي الممتد لآلاف الكيلومترات إلى ممر اقتصادي واستراتيجي عالمي.
وبين المصلحتين، بدأت منطقة كان الجليد يجعلها شبه مستحيلة أمام التجارة المنتظمة تتحول تدريجيًا إلى طريق بحري قابل للاستخدام.
• نصف زمن الرحلة.. ولكن نصف الحقيقة أيضًا.
بالرغم من أن الميزة الأخطر في المسار الجديد هي الزمن إذ أن الوصول من شرق الصين إلى بعض موانئ شمال أوروبا يمكن أن يستغرق قرابة 20 يومًا عبر الطريق الشمالي، مقابل نحو 40 يومًا عبر بعض المسارات الجنوبية ، لكن هذه المقارنة لا تعني أن قناة السويس أصبحت أمام منافس مكافئ.
فقناة السويس تعمل طوال العام، وتستوعب أعدادًا وأحجامًا ضخمة من السفن، وتحيط بها بنية تحتية وخدمات ملاحية ولوجستية متطورة ، أما الطريق القطبي فما زال موسميًا، من نهاية يوليو إلى أول أكتوبر ، كما أنه شديد الحساسية للطقس، محدود الطاقة الاستيعابية، وتحتاج الملاحة فيه أحيانًا إلى سفن مجهزة وقدرات خاصة وكاسحات جليد ، قد تكون ليست بالتطور الكافى حتى الآن ليتم الإعتماد عليها.
العدد الورقي لجريدة 'أهل مصر'
لذالك فإن كان الطريق أسرع في بعض الرحلات، لكنه ليس الأسهل ولا الأكثر انتظامًا.
لذا ، فمن الخطأ أن نحاكم المستقبل بتكنولوجيا اليوم ،
وهنا يجب أن يبدأ التفكير فى المصالح المصرية الحقيقية والتى قد تواجه خطرًا محتملاً مستقبلًا.
فإذا كان الجليد يمثل اليوم أكبر عقبة أمام الطريق، فمن يضمن أن تظل العقبة نفسها بعد عقدين؟ ففى ظل التطور التكنولوجى المرعب ، قد يصبح القادم اكثر خطراً.
فالتكنولوجيا البحرية تتقدم، وقدرات كاسحات الجليد تتطور، وتصميم السفن يتغير، والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي يرفعان القدرة على التنبؤ بحركة الجليد والطقس واختيار المسارات الأكثر أمانًا.
بل إن تغير المناخ نفسه ــ بكل مخاطره ــ يؤدي إلى تراجع الغطاء الجليدي في أجزاء من القطب الشمالي ويفتح نافذة أطول للملاحة.
ولهذا فإن الاطمئنان إلى أن الطريق «موسمي» اليوم لا يصلح استراتيجية للمستقبل.
فالعلم قادر على تغيير قيمة الجغرافيا، والسياسة قادرة على تمويل هذا التغيير عندما يتعلق الأمر بأمن التجارة والطاقة.
•الصين وروسيا لا تبحثان عن طريق فقط
الأمر يتجاوز اختصار عشرين يومًا من زمن الرحلة،فالصين، أكبر قوة تجارية في العالم، لا تريد أن تظل تجارتها الخارجية رهينة عدد محدود من المضايق والممرات البحرية التي قد تتأثر بالحروب أو النفوذ العسكري لدول أخرى، وروسيا، في المقابل، تمتلك الساحل الأطول على الطريق البحري الشمالي، وتملك مصلحة مباشرة في تطوير الموانئ وكاسحات الجليد والطاقة والبنية التحتية اللازمة لتحويل المنطقة إلى شريان اقتصادي.
لهذا فإن «طريق الحرير الجليدي» ليس مشروع نقل فقط، بل جزء من إعادة توزيع النفوذ على خريطة التجارة العالمية.
•هل يهدد ذلك الأمن القومي المصري؟
قناة السويس ليست مجرد مجرى مائي يحقق إيرادات دولارية، وإنما أحد أهم عناصر الوزن الجيوسياسي لمصر، وكلما ظهرت مسارات تستطيع اقتطاع جزء من حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، أصبح الأمر قضية تستحق الدراسة من منظور الأمن الاقتصادي والقومي، حتى إذا كان تأثيرها الحالي محدودًا.
الخطر ليس أن تستيقظ مصر غدًا فتجد السفن قد تركت قناة السويس إلى القطب الشمالي ، فهذا سيناريو غير واقعي حاليًا.
الخطر الحقيقي أن ننظر إلى خريطة اليوم ونفترض أنها خريطة الغد.
•قناة السويس أقوى اليوم.. لكن المستقبل لا يمنح ضمانات.
تظل قناة السويس حاليًا أكثر قدرة وانتظامًا وواقعية من الطريق القطبي، ومن الصعب تصور استبدالها بهذا المسار في المستقبل القريب، لكن ما تفعله الصين وروسيا يستحق الانتباه.
فالدولتان تمتلكان من طموح السيطرة ما يجعلهما يطورا العلم ، ويُسخرا أدواته ،حتى لا تكون طرق التجارة العادية تحت السيطرة ، و لا تنتظران أزمة جديدة في البحر الأحمر أو باب المندب لتبحثا عن البديل، بل تعملان على صناعة البديل قبل الحاجة إليه ، وهذه ربما تكون الرسالة الأهم لمصر.
فالمنافسة المقبلة لن تكون بين قناة وممر مائي فقط، وإنما بين شبكات لوجستية متكاملة وطرق متعددة وموانئ وتكنولوجيا وسرعة وتكلفة وأمان سياسي.
لقد صنعت الجغرافيا لقناة السويس مكانتها، لكن الجغرافيا لم تعد وحدها من يرسم طرق التجارة.
في عالم اليوم، تستطيع السياسة أن تستثمر، والتكنولوجيا أن تتطور، والجليد أن يتراجع، والطريق الذي كان مستحيلًا بالأمس قد يصبح ممكنًا غدًا.
ولهذا فإن «طريق الحرير الجليدي» ليس منافسًا لقناة السويس الآن، لكنه بالتأكيد إنذار مبكر من المستقبل يستحق أن تقرأه مصر جيداً .