صدرت عن "دار المنى للطباعة والنشر والتوزيع" رواية جديدة للكاتبة منى عبد اللطيف بعنوان "كاماسوترا.. حدوتة مصرية"، وتقع في 180 صفحة من القطع المتوسط. وتقدّم الرواية تجربة سردية لافتة تمزج بين الثقافتين المصرية والهندية من خلال رحلة طالب طب مصري يدرس في الهند، حيث تستكشف الكاتبة بجرأة وأسلوب إنساني عميق تفاصيل الاغتراب وتداخل الثقافات ومفهوم العلاقات والوجود البشري.
الرواية تحكي عن شاب مصري يدرس الطب في الهند. الكاتب منى عبد اللطيف جمعت في هذه الرواية بين ثقافتين مختلفتين تماماً (مصر والهند)، وكتبت مشاهد جريئة ومصارحة. الأهم من ذلك هو اسم الرواية "كاماسوترا"، وهو اسم كتاب هندي قديم مشهور جداً يتكلم عن الحب والعلاقات الإنسانية والرغبة (كتبه زمان فيلسوف هندي اسمه فاتسيايانا). الكاتبة استخدمت هذا الاسم الجريء كرمز للتعمق في النفس البشرية والمشاعر، وربطت بين الفلسفة الهندية والروح المصرية في قصة ممتعة.
حين نراجع في البنية الدلالية والفنية لهذه الرواية، نجد أن الكاتبة منى عبد اللطيف قد نجحت في افتتاح أفق نقدي ومعرفي واسع لاستكشاف أعماق النفس الإنسانية وتشعبات المجتمع، من خلال استثمارها الواعي لعتبة العنوان "كاماسوترا" وما يحمله إرثه التاريخي والثقافي من فلسفة عميقة للحب والرغبة. لقد وظفت المؤلفة هذه الحمولة الحضارية الوافدة لتعقد تقاطعات إبداعية وماتعة مع واقع محلي نابض بالخصوصية المصرية وتفاصيلها الحية، مسجلة بذلك رؤيتها الخاصة في "حدوتة" ممتدة على مدار مائة وثمانين صفحة، تتلاحم فيها الهوية بأبعادها الإنسانية الأرحب.
حين نتأمل هذا العمل الصادر عن دار المنى في عام 2018، نجد أنه يتجاوز آفاق التسمية الاستفزازية أو الجاذبة في ظاهره فحسب، ليشتغل بعمق واقتدار على تفحص الهوية ومساءلة العلاقات الإنسانية عبر محطات سردية محكمة. إن النص يسعى جاداً لمنح النبض المحلي صوته الخاص والفريد، مناضلاً في الوقت ذاته من أجل خلق مساحة تعبيرية واسعة وموزونة، تتوازن فيها جرأة الطرح الفني مع رصانة العمق الاجتماعي المضمون، ليغدو العمل تجربة سردية تستحق الوقوف عندها مطولاً.
لقد استطاعت المؤلفة منى عبد اللطيف بوعي فني رصين أن تقيم جسراً وثيقاً بين عوالم متباينة، متمثلة في رحلة طالب طب مصري اغترب عن وطنه الأم ليلقي عصا الترحال في شبه القارة الهندية، تلك الأرض التي تموج بالروحانيات والتناقضات الحضارية. ولم يكن هذا الترحال مجرد انتقال خارجي، بل جاء انعكاساً للاشتباك النفسي بين أصالة الهوية وثقل الاغتراب في بيئة إنسانية فريدة، حيث نجحت الكاتبة في تلمس خيوط التفاعل الوجداني للبطل وهو يكابد معاناة التجربة وثرائها في آن واحد. وإذا وقفنا متأملين عند البنية الفكرية والدلالية لهذا العمل، فإننا نلتقي بجرأة واعية لم تقتصر على اقتحام مناطق البث الشعوري والمشاهد الحية فحسب، بل امتدت لتلامس عتبة العنوان ذاتها؛ ذلك الاختيار المتمثل في مصطلح "كاماسوترا"."
يعتمد العمل على سرد دافئ ينهل من معين "الحكاية" الشعبية التي تُروى بلسان مصري أصيل، ليصحبنا في رحلة تستعرض تعقيدات العلاقات الإنسانية والاجتماعية بكل ما تحمله من مغامرة وجماليات يومية. وقد تميزت الكاتبة بامتلاك تلك البساطة الممتعة في فن السرد القصصي، وهو ما يجعل النص قريباً من وجدان القارئ ومناسباً لمختلف الأذواق الأدبية.
إن استدعاء هذا النص الهندي القديم الذي وضعه الفيلسوف فاتسيايانا في العصر الغوبتي ليكون مظلة دلالية للرواية، ينم عن رؤية واعية تتجاوز حدود الإثارة الشكلية إلى عمق الأدب السنسكريتي الذي اتخذ من الحب والرغبة موضوعاً للكشف عن كنه النفس البشرية وجوهرها. فقد كان الفيلسوف الهندي، في إرثه المعرفي الذي ربط بين حكمة "السوترا" ورغبة "الكاما"، ينقب في أعماق الوجود الإنساني، وهو المعنى ذاته الذي أرادت منى عبد اللطيف أن تسكبه في قالب "حدوتتها المصرية"، لتؤكد أن قضايا العاطفة والوجود الإنساني والاشتباك مع الآخر هي هموم كونية عابرة للحدود والثقافات.